المجتمع الدولي لن يتحمل مسؤوليته

عقب العدوان التركي على شمال شرق سوريا في الأسابيع الماضية دعا أكثر من مسؤول عربي المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته في وقف العدوان فوراً.

وفي ختام اجتماع مجلس الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية دعا في بيانه «المجتمع الدولي للتحرك فوراً لوقف العملية التركية واتخاذ ما يلزم من التدابير في هذا الخصوص».

لا أعرف سر تمسكنا كعرب بهذه الشعارات والكليشيهات التي نعرف جميعاً أنها غير موجودة على أرض الواقع.

أولاً وعلى مستوى المفاهيم والتعريفات ما معنى المجتمع الدولي؟ وهل هناك كيان بهذا الاسم؟ ومن هم أعضاؤه وما هي وظائفه؟!

كل دول العالم هي المجتمع الدولي، لكن هذا المجتمع الدولي منقسم بشأن كل القضايا تقريباً، فمن الذي سيتدخل ويتحمل مسؤولياته؟ ومن الذي سوف يصبح محايداً؟ ومن الذي سيتدخل لدعم العدوان التركي أو لوقفه؟!

أحيي جامعة الدول العربية على موقفها الحازم والحاسم من العدوان التركي، لكن أدعوهم لوقف استخدام تعبيرات فضفاضة لا تغني ولا تسمن من جوع.

في حالتنا الراهنة على سبيل المثال فإن أفضل رد على كلام جامعة الدول العربية أن «المجتمع الدولي» ممثلاً في مجلس الأمن فشل حتى في إصدار بيان يدين العدوان التركي، أو حتى يطالب بانسحابه، أو حتى يعبر بأي شكل من الأشكال عن الاعتراض على هذا العدوان، والسبب أن مواقف الأعضاء الخمسة الدائمين في المجلس متباينة.

والغريب مثلاً أن روسيا وأمريكا اعترضتا على العديد من الصياغات لمشروعات قرارات أو حتى مجرد إصدار بيان، وكل دولة لديها مبررات ودوافع.

نعرف جميعاً أن أمريكا واحدة من أهم الفاعلين الدوليين في المجتمع الدولي. ونفهم جميعاً أنه لولا الضوء الأخضر الذي أعطاه رئيسها دونالد ترامب للرئيس التركي رجب طيب أردوغان ما تجرأ الأخير على اتخاذ قرار الغزو. أردوغان يهدد بهذا الأمر منذ سنوات، لكنه نفذه على أرض الواقع، حينما سحب ترامب جنوده من شمال شرق سوريا. بعدها غرد ترامب وهدد تركيا بعدم تجاوز الحدود في سوريا، لكن الجميع يعلم أنه وقع ما يشبه الصفقة مع أردوغان.

روسيا ورغم أن لها قوات في سوريا وحليفة للنظام، إلا أن موقفها من العدوان يبدو غريباً، ويعتقد البعض أن العدوان قد يفيدها ويكسر شوكة الأكراد، ويتيح لقوات الجيش السوري الدخول إلى هذه المناطق وهو ما حدث بالفعل، كما أن العدوان قد يزيد من عزلة تركيا عن أمريكا ويساهم في نسف تفاهم استانة واستمرار الصفقات العسكرية والنفطية بين البلدين.

الاتحاد الأوروبي موقفه كالعادة مريب وضعيف ومتردد، وفشل أكثر من مرة في كبح جماع تركيا حينما تحرشت بقبرص وأرسلت سفنها للتنقيب عن الغاز في المياه الإقليمية بقبرص العضو في الاتحاد الأوروبي، واكتفت ببيانات شجب وإدانة وعقوبات شكلية.. فهل تكون سوريا أهم للاتحاد الأوروبي من قبرص؟!

الصين منشغلة باقتصادها وحربها التجارية مع الولايات المتحدة، وإذا كانت لا تتدخل في هونغ كونغ لوقف التظاهرات، فهل تتدخل في سوريا ضد تركيا؟!

تلك هي القوى الكبرى في العالم، فمن يمكنه أن يتدخل، إسرائيل قد لا تكون سعيدة شكلياً بتدخل أردوغان، لكنها أسعد بهذا التدخل باعتبار أنه سيساهم في تفكيك سوريا أكثر، حتى لو كان على حساب بعض أصدقائها الأكراد.

إيران متضررة جداً، لكنها وإذا كانت لم تتدخل لمواجهة إسرائيل التي توجه ضربات لتواجدها في سوريا والعراق. فهل تصطدم بتركيا حليفتها في ملفات إقليمية أخرى؟

هذا هو المجتمع الدولي الذي نطالبه نحن العرب بتحمل مسؤولياته والتحرك لوقف العدوان!

الهدف من كل الكلمات السابقة ليس التعليق على العدوان التركي، لأننا نعرف جميعاً أن الأمر انتهى بتدخل أمريكي أوقف العدوان، لكنه قدم لتركيا معظم ما طلبته وسمح لها بالتواجد في الشمال السوري، وأفاد دمشق بدخول قواتها لبعض المدن الكردية، كما سمح لأمريكا باستمرار وجود رمزي لقواتها كي تسيطر على بعض حقول البترول السورية. الهدف هو أن نتعامل كعرب مع الواقع وأن نتوقف عن التحليق في الفراغ، ما لم نتحرك نحن كعرب، فلن يهتم أحد أو يكترث.

علينا أن نكون عمليين ونستخدم تعبيرات محددة وقابلة للقياس حتى نتعود على عدم إطلاق الكلمات والتعبيرات على علاتها، فتكون النتيجة أن الجماهير العربية لن تتعامل مع هذه البيانات بجدية.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات