ترامب على الهواء في بريطانيا

في الوقت الذي يواجه فيه ترامب، منذ حملته الانتخابية للرئاسة في 2016، اتهامات بدعوته لدول أجنبية للتدخل في الانتخابات الأمريكية، ولصالحه شخصياً، فإن الرئيس الأمريكي لا يجد غضاضة في عمل العكس، أي التدخل علناً في العملية الانتخابية في واحدة من أعرق الديمقراطيات في العالم.

ففي حوار أجراه على الهواء مع رئيس حزب البريكست، نيجيل فراج، الذي يقدم برنامجاً إذاعياً، أثنى ترامب على بوريس جونسون، وحذر من جيرمي كوربن. وقد جاء حوار ترامب مع فراج بعد أيام قليلة من إعلان جونسون أنه ينوي إجراء انتخابات عامة في ديسمبر القادم.

فبعد أن كرر، في الحوار، تأييده للبريكست، معلناً للمستمع البريطاني أن بريطانيا «ستكون أفضل بكثير» بدون أوروبا، ربط ترامب بين تنفيذ البريكست وعقد اتفاق تجاري مع الولايات المتحدة، باعتبار أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيمكنها من زيادة التجارة مع بلاده.

غير أن ترامب ذهب لما هو أبعد من ذلك حين ربط بين سياسة يرى أنه ينبغي لبريطانيا اتباعها وبين اتخاذ سياسات أمريكية حال عدم الالتزام بذلك. فهو قال إن الاتفاق التجاري بين بريطانيا والولايات المتحدة مرهون بخروج الأولى من الاتحاد الأوروبي.

لكن ترامب دلف فوراً للحديث عن الانتخابات البريطانية. فهو أثنى على جونسون، قائلاً «إنه رجل رائع. وأنا على قناعة من أنه الشخص المناسب بالضبط للوقت الراهن»، بينما وصف زعيم حزب العمال المعارض جيرمي كوربن بأنه «سيكون سيئاً» لبريطانيا «وسيقودها لمسار سيئ».

لكن ترامب ذهب لما هو أبعد من ذلك، إذ قدم علناً استراتيجية انتخابية للطرف الذي ينحاز إليه في الانتخابات البريطانية. فهو دعا نيجيل فراج لأن يتحالف في تلك الانتخابات مع جونسون، مؤكداً أنهما بذلك سيشكلان «قوة لا يمكن الوقوف بوجهها».

ورغم أن تلك ليست المرة الأولى التي تتدخل فيها الولايات المتحدة في الانتخابات بدولة أخرى، إلا أن التدخل هذه المرة يبدو جديداً من أكثر من زاوية. فالولايات المتحدة كثيراً ما تدخلت في الانتخابات حول العالم، من إيطاليا للعراق. ففي عام 1948، تدخلت الولايات المتحدة في الانتخابات الإيطالية في إطار موجة جديدة من التدخلات تبنتها الولايات المتحدة لمنع وصول تيارات اليسار للحكم في عدة دول.

وقد تبين من وثائق أمريكية لاحقاً أن الولايات المتحدة ظلت على مدى سبعة انتخابات إيطالية متتالية تتدخل عبر دعم أحزاب مختلفة بهدف منع الحزب الشيوعي الإيطالي من الوصول للسلطة سواء منفرداً أو في إطار ائتلاف حاكم.

والتدخل في الانتخابات في دول أخرى لم يكن سياسة تبناها حزب أمريكي دون الآخر فبينما تدخلت الولايات المتحدة مثلاً في عهدي ريغان وبوش الابن، الجمهوريين، في انتخابات هيتي عام 1986 والانتخابات العراقية عام 2005، فقد تدخلت في عهد أوباما الديمقراطي في هيتي مرة أخرى عام 2015.

بل إنه حين لم تتمكن أمريكا من التدخل عبر الانتخابات في دولة أو أخرى، فإنها استخدمت الانقلابات العسكرية ضد نظم منتخبة مثلما حدث في إيران عام 1954 وفي تشيلي عام 1972. لكن الجديد في حالة بريطانيا هو أن ترامب فعل ذلك علناً، بينما اعتادت بلاده أن تفعل ذلك عبر عمليات سرية تقوم بها الاستخبارات الأمريكية، يصاحبها، حال افتضاح أمرها.

غير أن الأهم من ذلك، في حدود علمي، هو أن رئيساً أمريكياً لم يتطوع من قبل، باقتراح استراتيجية انتخابية على أحد أطراف العملية الانتخابية، وبشكل علني، خاصة إذا كان الأمر يتعلق بواحدة من أعرق الديمقراطيات في العالم.

لكن المفارقة التي يحملها موقف ترامب العلني هي أنه بينما سعى الرئيس الأمريكي، من خلال تدخله لدعم بوريس جونسون، فإن الفائز الأول من وراء تدخله هو نيجيل فراج لا جونسون. فجونسون اليوم في وضع حرج، بعدما تقدم باتفاق جديد للبرلمان عقده مع الاتحاد الأوروبي.

بينما قامت حملته الانتخابية على حتمية الخروج من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق إذا لزم الأمر. ثم مر يوم31 أكتوبر دون خروج بريطانيا، بعدما كان قد تعهد بالالتزام به، بل وأعلن أنه يموت ولا تبقى بلاده يوماً واحداً، بعد ذلك التاريخ.

أما نيجيل فراج، فقد أعلن أن حزبه لن يتحالف أبداً مع جونسون إلا إذا ألغى الأخير الاتفاق الذي أبرمه واستقر على البريكست دون اتفاق، الأمر الذي يجعل موقف جونسون أصعب بكثير مع جمهور البريكسيت في الانتخابات القادمة.

Ⅶ كاتبة مصرية

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات