المؤامرة!

وقت كتابة هذا المقال كان الحدث الأكبر في العالم هو قيام قوة عسكرية أمريكية بقتل أبو بكر البغدادي مدعي «الخلافة الإسلامية» وقائد تنظيم «داعش» الإرهابي، وزوجتيه وأبناءه الثلاثة وعدداً من مرافقيه. ومضات التلفزيون وأخباره العاجلة، وتنبيهات التليفونات والساعات المرتبطة بها راحت تبث الذي جرى في تلك اللحظات القليلة التي سبقت مطاردة المجرم الكبير حتى مصرعه.

وكانت المقارنة حاضرة مع مقتل قائد «القاعدة» أسامة بن لادن على يد قوة مشابهة من القوات الخاصة الأمريكية. تسابق خلق ودول على الفخر بالمشاركة بأمر زاد أو قل من المعلومات، إلى فتح مسارات للطيران للمشاركة في الحادث، الذي راح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يؤكد أن ما جرى يعني أن الانسحاب الأمريكي من الشرق الأوسط لا يعني التخلي عن حرب الإرهاب.

وكما هي العادة فإن الأخبار والتفاصيل والصور يلحقها التحليل عما إذا كان مقتل «البغدادي» يعني نهاية «داعش» أو «نهاية الإرهاب». التوافق بين المراقبين كان نفياً لكليهما، فلا «داعش» سوف تذهب إلى غير رجعة؛ ولا الإرهاب سوف يتوقف.

ولكنها في كل الأحوال ضربة موجعة ومكلفة للتنظيم والتنظيمات الإرهابية التي بات عليها ليس فقط البحث عن زعيم ونجم جديد، وإنما أيضاً إعادة التموضع والانتشار وانتخاب القيادات، والبحث في رد يسترد بعضاً من خوف وفزع في قلوب دول وشعوب.

ولبضعة أيام فإن أحداثاً كبرى غابت صورها وخفتت أصواتها كانت تجري في المنطقة منها عودة ما يسمى «الربيع العربي» مرة أخرى في صورة تظاهرات عارمة تجرى في الجزائر والعراق ولبنان.

كانت دراما مقتل البغدادي في صعوده وسقوطه قد جذبت الأنظار في الإعلام العالمي مستدعية قصة الحرب ضد الإرهاب وبتفاصيل دقيقة منذ الأحداث المروعة لقصف مركز التجارة العالمي في نيويورك في الحادي عشر من سبتمبر ٢٠١١ وحتى الآن.

وبينما كان ذلك جارياً في العالم كله، فإن تياراً عربياً ظهر في مقالات وتعليقات و«تيرندات» فيسبوكية وتغريدية تقول إن الولايات المتحدة قتلت «رجلها» بعد أن قام بوظيفته التي حددتها له وهو تقليب العالم على الإسلام والمسلمين. أصبح الأمر كله مؤامرة في الأول والآخر من قبل واشنطن ضدنا.

ولم يكن مهماً أن العراق والأكراد والأتراك والروس والسوريين أعلنوا أو أشاروا أنهم شاركوا في مهمة التخلص من الرجل الذي قتل وحرق واغتصب من المسلمين أكثر مما فعل مع أعدائهم.

ولا كان مهماً أن البغدادي وبن لادن والإخوان المسلمين والسلفيين الجهاديين والقاعدة والنصرة وأحرار الشام وحراس الدين يقوم اعتقادهم ليس فقط على «الحاكمية» وإنما معها الحرب ضد «المؤامرة» الأمريكية الغربية على الإسلام والمسلمين.

«المؤامرة» الغربية الأمريكية قائمة من اتجاهين، مرة لأنهم صنعوا «الإرهاب» والإرهابيين»؛ ومرة لأنهم قاوموه، وفي الحالتين لنفس الأسباب والدوافع. وإذا قام الإرهابيون بالإرهاب فذلك لأن الولايات المتحدة أعطتهم »الضوء الأخضر« لابتزاز المسلمين والعرب؛ أما إذا قامت الولايات المتحدة بالحرب ضدهم فذلك لأنها حققت أغراضها منهم واستنفدت منهم الوظيفة التي كلفتهم بها.

واقع الأمر أن الحقيقة ليس كذلك، والبداية كانت عندما غزا الاتحاد السوفييتي أفغانستان فكان ذلك فرصة الأمريكيين في الحرب الباردة لاستنزاف موسكو حتى تنهار. وفي العالم العربي والإسلامي كانت الصرخة آنذاك برفض الشيوعية "الكافرة" في بلد إسلامي؛ وهكذا التقت المصالح على إرسال المتطوعين المجاهدين العرب والمسلمين.

وقامت أمريكا بالتسليح والتدريب والأعمال المخابراتية، وانتهى الأمر بانهيار الاتحاد السوفييتي ومعه الحرب الباردة، ولم تكن الولايات المتحدة وحدها هي التي انتصرت في الحرب، وإنما الإرهابيون أيضاً الذين باتوا يعملون لمصالحهم الخاصة في تدمير »العدو القريب« الذي هو العالمان العربي والإسلامي.

و»العدو البعيد«، الذي هو الغرب وأمريكا الذي يعطي الدول العربية والإسلامية السلاح والغذاء والدواء. لم يكن في الأمر (مؤامرة) وإنما كان هناك التقاء مصالح كما جرى تصورها وقتها.

وكانت خطأ استراتيجياً كبيراً في التعامل مع أعقاب الحرب الأفغانية ولكنها لم تكن خطة سرية شكلت جوهر المؤامرة المجنونة. المشكلة في الفكر التآمري أنه يعطي شهادة البراءة للفكر الإرهابي الذي يعشش داخلنا ويوفر المجاهدين والمجندين الذين كانت ٩٥٪ من ضحاياهم من العرب والمسلمين وباتوا هم الجماعة التي تقف أمام الشعوب العربية والإسلامية في مسيرتها نحو التقدم.

 كاتب صحفي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات