كيف تصنع موهوباً

تسير عملية رعاية الموهوبين في سياق تنظيمي يقوم على عدد من الخطوات أو المراحل وأولها عملية الفرز لتحديد المواهب ونوعها والتي قد نجدها لدى أي فئة مستهدفة أياً كان العمر الذي يميزها، وتقوم هذه العملية على طرق شتى، فموهبة الاختراع، مثلاً، لها ملامح لدى الفرد تظهر أعراضها منذ الطفولة من خلال قدرته على المحاكاة والتقليد.

وهاتان الغريزتان هما بمثابة استعداد فطري مسبق يمكن اختبار مستوياته لدى الأفراد وتمييز القدرات الأعلى فيه من خلال نماذج وقوالب إبداعية منها الشعر ومنها الرسم ومنها العزف على آلات الموسيقى. ثم يكون الاختبار التالي الذي يعبر عن الخطوة التالية في اختبار القدرة على الإيجاز مع الاحتفاظ بالخصائص الحيوية والجوهرية للمضامين المختصرة، إنها نوع من البلاغة التي نلمسها في الاختراعات المكثفة.

وهذه المرحلة يمكن اختبارها من خلال عرض فيلم سينمائي أو قراءة رواية ثم جعل كل فرد يكتب ملخصاً في عدد محدد من السطور لقصة ما شاهدها أو قرأها، أو من خلال طلب وصف لعنوان في شارع مكثف في تفرعاته فيكون التكثيف مع الاحتفاظ بالمضامين الجوهرية تعبيراً عن قدرة على الانتقال في هذه الصفة في سياقات أخرى منها الاختراعات بشتى أنواعها ومجالاتها.

فالأفراد القادرون على الوصف بإيجاز مع الاحتفاظ بالخصائص الجوهرية لما يتم وصفه هم الأكثر موهبة. وهناك عدة اختبارات للذكاء لقياس مصفوفات المنطق والقدرة على التفكير الإبداعي والتسلسل المنطقي وحل المشكلات.

يتخذ العقل البشري في طبيعته الفطرية طبيعة الآلة وإلى جانب هذا الوجود الآلي ثمة عدد من الاستعدادات الفطرية التي تعبر عن وجود موهبة حقيقية لتكون الحالة التالية هي حالة العقل المكتسب وتغذية وصقل الاستعدادات المسبقة بالمران الدائم والممارسة والعقل المكتسب والعقل الغريزي والاستعدادات الفطرية ودوام صقلها تشبه في تفاصيلها ما يحدث بين النار والحطب والمصباح والزيت لتكون النتائج هي حالة مثلى تجسد اكتمالاً حقيقياً في الموهبة بكل تفاصيل قدراتها وامتداداتها المترابطة مع القدرات العقلية بآليتها ومكتسباتها في آن.

وتقوم رعاية الموهوبين على اتجاهين الأول هو رعاية المكتسبات الفطرية لدى الأفراد بما يمثلها من عقل غريزي وتغذيتها بما يناسبها ويدعم ويعزز من رفع مستويات إنتاجيتها إلى أعلى حد ثم الاتجاه الثاني وهو رعاية منتجات العقلية الموهوبة من خلال توفير كل آليات الرعاية في الحاضنات الإبداعية والابتكارية بشكل يضمن استمرارية التطوير لكل فكرة وزيادة مستويات إنتاجيتها.

كما أن لضمان حقوق الملكيات الابتكارية والفكرية والإبداعية شأناً كبيراً في مسألة تعزيز الإنتاجية لدى الموهوبين بالإضافة إلى الدعم الكبير مادياً من خلال النسب المادية التي يحصل عليها الموهوبون من الحاضنات الابتكارية والمؤسسات والشركات الراعية كحقوق مشروعة تضمنها لهم أفكارهم الإبداعية والابتكارية التي تغذي الاقتصاد المعرفي.

.وكذلك الدعم المعنوي الذي يقوم على رؤية مفادها تكريم المبدعين مع كل إنجاز فكري وابتكاري جديد أولاً بأول وليس بعد حياة طويلة من الإنتاج كما كان في الشكل التقليدي للتكريمات للمبدعين الذي لا يتم إلا بعد موتهم أو في أواخر أيام حياتهم.

مع دخولنا لواقع اقتصادي جديد مبني على أن المعرفة سلعة تؤثر في اقتصاديات دول متقدمة، فالإنتاج المعرفي قد يؤثر على الاقتصاد الجزئي أو الكلي لأية دولة، هذا لا يدع مجالاً للجدل أن العقول والموهوبين والمبتكرين يشكلون فئة مهمة لتحفيز النمو والتنمية والرخاء في اقتصاد المعرفة. وللحديث بقية.

* خبيرة الاقتصاد المعرفي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات