مقال صديق للبيئة

قررت أن أكتب مقالاً صديقاً للبيئة، وقد يقول قائل: ولماذا كل هذا العناء فالمقالات الإلكترونية مقالات صديقة للبيئة ولا يتم طباعتها على الورق غير القابل لإعادة التدوير، حقيقة أنا لا أقصد هذا الجانب بتاتاً.

فعندما قررت أن أكتب مقالاً صديقاً للبيئة كنت أعني أن جميع الظروف البيئية المحيطة لعملية إنتاج المقال هي عملية صديقة للبيئة وتستند في جميع مراحلها على مرحلة يمكننا فيها من إعادة التدوير ولم أتمكن من هذا الأمر، فجميع الظروف والأدوات والعادات التي تحيط بي ليست عادات صديقة للبيئة.

وللأسف أنا من أولئك الذي يعتمدون على النمط القديم في الكتابة بكتابة مسودة المقال على الورق قبل إرسالها إلكترونياً إلى الصحيفة، وبالتغاضي عن هذه العادة غير الصديقة للبيئة إلا أنني عندما راجعت جميع الأمور من حولي والتي مكنتني من كتابة هذا المقال وجدت بأنها جميعها غير صديقة للبيئة.

ما هو حجم التأثير الذي سيحدثه شخص مثلي أمام عادات 7 مليارات شخص بعاداتهم ومصانعهم وكوارثهم البيئية، فهل كتابة مقال صديق للبيئة كان سينقذ رئة الأرض «غابات الأمازون» من الاحتراق، بالتأكيد لا، وهل هي من ستنقذ الثروة البحرية من الدمار جراء إلقاء النفايات في البحار والمحيطات؟!!

بهذه القناعة وبهذا الحديث يخاطب كل شخص نفسه عندما يقرأ أي خبر حول التغيير المناخي والحلول الممكنة لنكون أصدقاء للبيئة، فوفقاً للدراسات بهذا الشأن فإن القناعة الراسخة لدى أغلب البشر بأن تصرفاتهم ليست هي من تدمر البيئة.

لم يلتفت الإنسان لأن يوجد حلولاً مستدامة في حياته إلا عندما طالت جيبه، فعندما أرهقته فاتورة الكهرباء راح يبحث عن أساليب التوفير، وعندما باتت حلول الطاقة الشمسية منخفضة السعر راح يركبها لينتج الطاقة، وهذا أمر طبيعي، ولهذا إلى الآن لم يتحرك البشر لإيجاد بدائل عن عبوات البلاستيك التي لا يمكن إعادة تدويرها ومازال يستخدم الأكياس البلاستيكية غير القابلة للتحلل، فما زلنا نشعر أن حياتنا مستقرة وصالحة للعيش بدون أن نبادر في الحفاظ على سلامتها.

كشفت دراسة صادمة لتقدير الابتلاع البشري للتلوث البلاستيكي؛ ووجدت الدراسة أن الشخص العادي يأكل ما يزيد على 70 ألف جزيء دقيق من البلاستيك كل عام، وكل هذا بسبب عدم اتخاذنا لقرار وقف استخدام البلاستيك، وإليكم هذا الرقم الصادم، إذا ننتج كل عام نحو 300 مليون طن من المخلفات البلاستيكية.

هذا الوزن الذي يعادل تقريباً وزن التعداد البشري على كوكب الأرض، فهل لكم أن تتخيلوا حجم هذه النفايات والتي لا يمكن إعادة تدويرها والتي تحتاج البعض منها لأكثر من 1000 عام لتتحلل، وأغلبها لرفضنا القاطع من استخدام أكياس وعبوات يمكن إعادة استخدامها، بل الجميع يقول لنفسه «ما راح توقف عليّ»، ويترك الأكياس الصديقة للبيئة معلقة في المتاجر دون أن يتخذ خطوة واحدة نحو الحفاظ على كوكبنا.

الحقيقة أنا لا ألوم المجتمعات على عدم اتخاذها إجراءات حماية البيئة فهم يرون أن كبرى الشركات والمؤسسات مازالت متكابرة على هذه المشكلة من أجل تحقيق أرباحها الخيالية، ولهذا يجب على القوة التشريعية والقانونية أن تتدخل وتسن قوانين من شأنها دعم الملف البيئي كفرض رسوم على المنتجات غير الصديقة للبيئة وذلك لإجبار الشركات والأفراد من التحرك لإنقاذ جيوبهم ولتنقذ البيئة من عاداتهم المدمرة.

إن محاولة إنتاج مقال واحد صديق للبيئة من جميع جوانبه أخذنا للكثير من الأمور التي يجب أن نُعيد التفكير فيها لإنتاج الكثير من المنتجات لتكون صديقة للبيئة خصوصاً أننا بتنا على المحك في مواجهة التغير المناخي، فلم يعد هذا الأمر مجرد دراسات على ورق إنما أصبح موجات حر تحرق الغابات وتشرد الآلاف، أصبحت نفايات مكومة لا يمكن إعادة تدويرها، أصبحت هواءً ملوثاً نستنشقه.

وقريباً ستجدون في المتاجر عبوات هواء نظيف، وهذا ما بدأت شركة كندية في إنتاجه للصينيين، كما هو الحال عندما بدأت شركات تصنيع المياه المعبئة قبل 100 عام، فلنتحرك قبل أن تأخذنا هذه الموجة ونحاول على قدر المستطاع أن نُغير عاداتنا لتصبح صديقة للبيئة..

* كاتب وإعلامي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات