00
إكسبو 2020 دبي اليوم

داعش ما بعد البغدادي

«محطة مهمة في الحرب ضد الإرهاب».. هكذا جاء وصف معظم قادة ومسؤولي دول العالم للعملية الاستخباراتية الناجحة التي نفذتها قوات خاصة أمريكية، وتمكنت من خلالها من قتل زعيم تنظيم داعش الإرهابي، أبو بكر البغدادي، في إدلب بسوريا، بعد سنوات من المطاردة لزعيم أكثر التنظيمات الإرهابية تطرفاً ووحشية.

إنها لحظة مفصلية بلا شك في مسيرة مكافحة الإرهاب الدولي، فهذا الرجل الذي ذاع صيته بعد خطابه الشهير من على منبر المسجد النوري في مدينة الموصل العراقية، في يوليو 2014، والذي أعلن فيه عن إقامة دولته المزعومة، تمكن من خلال التنظيم الذي أنشأه، من بث الرعب والهلع في نفوس شعوب العالم أجمع، بفعل الفظائع والجرائم الإرهابية الوحشية التي ارتكبها تنظيمه في دول عدة، توزعت على قارات العالم الخمس، مقتدياً بما ورد في كتاب «إدارة التوحش»، الذي يوصف بأنه دستور داعش، الذي يدعو التنظيمات المتطرفة، إلى الاستعداد لمرحلة التوحش، التي ستلي انهيار الدولة الوطنية، حتى تتمكن من فرض سيطرتها على مجتمعات المنطقة، والانطلاق إلى دولته المزعومة.

لقد شكّل البغدادي، الذي نصب نفسه قائداً على تنظيم «داعش»، مرحلة مختلفة أكثر وحشية في الفكر الإرهابي، حتى مقارنة بتنظيم القاعدة الذي سبقه، فعلى عكس تنظيم القاعدة، الذي رأى أن تأسيس دولته، يتطلب التمهل حتى تتحقق الظروف المناسبة لإقامتها، رأى البغدادي وتنظيمه، أن الإسراع بتأسيس دولته على قطعة جغرافية محددة، ثم تتوسع بعد ذلك، سيحقق حلم التنظيمات المتطرفة جميعها، في إعادة إحياء دولته، ومن ثم فقد كانت استراتيجيته أكثر جرأة، إذ سعى إلى بسط سيطرته على جزء من أراضي العراق وسوريا لإعلان هذه الدولة ، مستفيداً من حالة الفوضى والفراغ الأمني الخطير في البلدين، لينطلق منها بعد ذلك إلى الاستيلاء على مزيد من الأراضي، لإقامة دولة لا حدود لها، تتبعها «ولايات»، يعلن عنها حيثما تمكن أتباعه ومقاتلوه من فرض وجودهم على أراضيها.

وقد بدت الفكرة براقة في البداية، لا سيما بعدما تمكن البغدادي ومقاتلوه من اقتطاع مساحة تفوق 240 ألف كيلومتر مربع، تمتد بين سوريا والعراق، عام 2014، أعلن عليها دولته، والتي تحكمت في وقت من الأوقات بمصائر نحو سبعة ملايين شخص.

وعلى مدى سنوات عدة، تغنى التنظيم بالموارد الهائلة التي كانت تحت سيطرته، وبقوته العسكرية، وبعملياته الإرهابية الوحشية التي حرص على توثيقها والترويج لها إعلامياً، مثل الجريمة البشعة التي ارتكبها التنظيم بحق الطيار الأردني معاذ الكساسبة، وغيرها من الجرائم الوحشية الأخرى، والتي كان التنظيم يستهدف من ورائها جذب المزيد من المتطرفين إلى صفوفه، وبث الرعب في نفوس أعدائه، كما تفاخر التنظيم بالأعداد الكبيرة من المقاتلين المتطرفين الذي انضموا إلى صفوفه من شتى أصقاع الأرض، فيما كان أنصاره يرددون شعار أن دولتهم «باقية وتتمدد».

ولكن هذه الدولة الإرهابية المتطرفة، التي أسسها البغدادي، تعرضت لضربات موجعة، وفقدت زخمها وقوتها، وسرعان ما فقدت سيطرتها على الأرض التي سيطرت عليها، وعاد مقاتلوها إلى جحورهم، بعد الإعلان الرسمي عن القضاء على دولته المزعومة في العراق أولاً، في منتصف عام 2017، ثم في سوريا أواخر عام 2018، فيما تبقت بعض الجيوب الصغيرة والعناصر الهاربة، والتي لا يزال تجري عملية ملاحقتها وتصفيتها، قبل أن يأتي الإعلان الأمريكي الأخير، عن قتل زعيم التنظيم، أبو بكر البغدادي، ليضع ربما المسمار الأخير في نعش هذا التنظيم الإرهابي المتطرف.

ومع ذلك، ينبغي أخذ هذا الاستنتاج الأخير، بقدر من الحذر الشديد وعدم التسرع، فمقتل زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن عام 2011 على يد القوات الأمريكية، لم يؤدِ إلى اختفاء تنظيم القاعدة أو إضعافه، ففروع التنظيم المختلفة لا تزال ناشطة في العديد من المناطق، مثل اليمن وسوريا وليبيا، وغيرها من بلدان المنطقة، وهذا يجعلنا نطرح تساؤلاً: ماذا بعد مقتل البغدادي؟ ما السيناريوهات المحتملة لتنظيم داعش؟.

في واقع الأمر، نحن أمام سيناريوهات ثلاثة، لا تختلف كثيراً عن السيناريوهات التي طرحت عن مستقبل القاعدة، بعد إخراجها من أفغانستان، وقتل زعيمها بن لادن. السيناريو الأول، هو انهيار تنظيم داعش وتلاشيه تماماً، تحت وطأة استمرار الضربات التي تواجهه، وقد لاحظنا في ردود الفعل الدولية على مقتل البغدادي، أن معظم دول العالم التي رحبت بهذه الخطوة، أعلنت أنها ستواصل معركتها ضد التنظيم.

ويعزز هذا السيناريو، أن قدرة التنظيم على استقطاب مقاتلين جدد، قد تراجعت بصورة كبيرة، مع انهيار فكرة دولة الخلافة التي أسسها التنظيم، ورجوع العديد من مقاتليه إلى بلدانهم لمواجهة مصيرهم.

السيناريو الثاني، هو تحول هذا التنظيم إلى الطبيعة اللا مركزية، من خلال تشكل جماعات وفروع مختلفة لديها الفكر الداعشي، مثلما حدث مع تنظيم القاعدة، عقب طرده من أفغانستان، حيث تحول إلى جماعات لا مركزية، تعمل باستقلالية عن المركز، وعن قيادة التنظيم الجديدة، وهو ما يعني أن الوكلاء المحليين للتنظيم، سيلجؤون إلى تشكل تنظيمات داعشية خاصة بهم، تعمل بأسلوب لا مركزي.

السيناريو الثالث، هو ظهور تنظيم أشد تطرفاً، يخرج من رحم تنظيم داعش، مثلما خرج تنظيم داعش من رحم تنظيم القاعدة، وهو سيناريو لا يمكن استبعاده، خاصة في ظل ما يشير إليه كثيرون، من أن مثل هذه التنظيمات المتطرفة، ترتبط بأجندات خارجية، تسعى إلى توظيفها واستخدامها في تفتيت المنطقة وإضعافها، من أجل تسهيل السيطرة على مقدراتها.

إن السيناريوهات الثلاثة مطروحة بنفس القدر، وتحتاج من المجتمع الدولي أن يواصل معركته ضد تنظيم داعش الإرهابي، وضد كافة التنظيمات الإرهابية الأخرى بذات القدر من الجدية والفاعلية، لأن التنظيمات الإرهابية تضعف وتتوارى، لكنها تعاود النشاط بمجرد أن تتاح لها الفرصة من جديد.

طباعة Email