إزاحة ترامب لا تعني فوز الديمقراطيين

وصل الخطاب السياسي داخل الولايات المتحدة في تقديري لمرحلة خطيرة يبدو معها المستقبل السياسي غير محسوم بالمرة. فالمتابع للمشهد السياسي الأمريكي سيجد نفسه وكأنه يشاهد مسرحية من مسرحيات اللا معقول. فترامب والداعمون له أشبه بالدب الذي يقتل صاحبه، والمعارضون له لا يملكون المواقف المبدئية التي تجعلهم أقرب لعامة الناس.

فقد بدأ الأسبوع الماضي بتراجع ترامب عن إعلانه عن استضافة قمة السبع الكبار في أحد المنتجعات التي يملكها، وهو الذي يمثل مخالفة واضحة للدستور الذي يحظر على الرئيس الأمريكي التربح من أية دولة أو كيان خارجي، الأمر الذي يبدو معه أن بعض مساعدي ترامب قد نصحوه بالتراجع عن قراره لئلا يكون مادة جديدة لعزله.

لكن ترامب عاد في مؤتمر صحافي ليتحدث عن تلك المادة الدستورية وكأنها خيال من صناعة الإعلام.

وفي الوقت الذي كانت فيه المزيد من الرموز التي تقدم شهاداتها في جلسات استماع الكونجرس تؤكد أن ترامب قد منع المساعدات الخارجية لأوكرانيا مقابل مساعدة الأخيرة له شخصياً عبر التحقيق في سجل منافسه في الانتخابات المقبلة، جوزيف بايدن، لديها، كان مسؤولو إدارة ترامب الحاليون والسابقون يقولون ما يزيد الطين بلة.

فعلى سبيل المثال، اضطر مسؤولو وزارة الإسكان الأمريكية في شهاداتهم أمام الكونجرس منذ شهور للاعتراف بأن الإدارة لم تفرج عن الأموال التي كان قد خصصها الكونجرس بالفعل لبورتو ريكو لنجدتها بعد أن دمرها إعصار ماريا.

ولأن تخصيص الأموال لا يتم إلا بقانون من الكونجرس فإن الامتناع عن الإفراج عن الأموال المخصصة يعد مخالفة صريحة للقانون.

وهو الموضوع الذي تم إحياؤه من جديد في إطار تحقيقات عزل ترامب.

الأخطر من ذلك هو ما قاله وزير العدل السابق في حوار تلفزيوني منذ أيام من أن «سوء استغلال السلطة ليس جريمة»، وهو ما مثل اعترافاً بسوء استغلال السلطة من جانب ترامب.

والذين قرأوا مداولات الدستور الأمريكي يجدون أنها كانت من بين الأمور التي سعوا، من خلال ذلك الدستور، لمنع حدوثها.

وهو تنويعة أخرى على ما كان القائم بأعمال رئيس الجهاز الفني للبيت الأبيض قد فعله قبل أيام من تلك الواقعة حين اعترف في مؤتمر صحافي بأن الرئيس ترامب كان فعلاً قد منع الإفراج عن المساعدات الخارجية لأوكرانيا مقابل مساعدة ترامب في الانتخابات، وهو بالضبط ما كان البيت الأبيض بل وترامب نفسه ينفيه على مدار أسابيع كاملة.

ورغم أن كل ذلك وغيره أدى لقلق بعض الجمهوريين، إلا أن الأغلبية منهم لا تزال تدافع عن الرئيس وتدعمه.

أما عن الحزب الديمقراطي، فرغم الإدانة الواسعة خصوصاً من السود لوصف ترامب لإجراءات عزله بأنها تشبه المأساة التي تعرض لها السود زمن العنصرية حين كانوا يعلقون على الأشجار ويجلدون حتى الموت وهم أبرياء، لم يستطع الديمقراطيون المضي قدماً في الإدانة لأن الكثيرين منهم، بمن في ذلك المرشح للرئاسة، جو بايدن، كان قد استخدم التعبير نفسه لوصف إجراءات عزل كلينتون في نهاية عقد التسعينيات.

ولعل الأكثر تجسيداً للأزمة الحقيقية للحزب الديمقراطي كانت التغريدة التي كتبها جوزيف بايدن التي اعتذر فيها عن استخدام التعبير في التسعينيات ثم، في التغريدة نفسها، أدان ترامب لاستخدامها اليوم.

وجوهر أزمة الحزب الديمقراطي، حزب الحقوق المدنية منذ الستينيات، أن الحزب اتبع، منذ التسعينيات، استراتيجية انتخابية لم تقدم للأقليات والطبقة العاملة سوى الخطاب السياسي الفارغ من المحتوى، بينما صارت سياساته لا تحقق مصالحهم إن لم تكن تضر بهم.

وحين انتخب عدد من الشباب الديمقراطيين الذين تعبر مواقفهم عن تلك القطاعات الرئيسية وقضاياها، لم يكن من قيادات الحزب في الكونجرس إلا محاربتهم.

لذلك، فإن القول بأن إجراءات عزل ترامب إذا ما نجحت في إزاحته من منصبه معناها عودة الديمقراطيين للرئاسة والأغلبية بمجلسي الكونجرس يجانبه الصواب. صحيح أن الحزب الجمهوري سيخرج من معركة العزل بغض النظر عن نتيجتها مثخناً بالجراح.

إلا أن الحزب الديمقراطي لن يكون وقتها في وضع أفضل كثيراً من الجمهوريين. فهو بعد أن تخلى عن قاعدته الانتخابية، في الوقت الذي لا يستطيع اجتذاب أصوات اليمين الديني ولا اليمين الشعبوي، عليه أن يتخذ من المواقف التي يستعيد بها القاعدة الانتخابية.

وهي المواقف التي لا يبدو، حتى الآن، أن الحزب على استعداد لاتخاذها. وما يجعل المستقبل السياسي في الولايات المتحدة مفتوحاً على كل الاحتمالات.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات