الدولة الوطنية هي الحل

ت + ت - الحجم الطبيعي

وقت نشر هذا المقال سوف يكون قد مر أسبوعان على «الثورة» أو «الانتفاضة» أو «الهبة» أو «الحراك» اللبناني؛ حيث كل هذه التعبيرات تعكس تلاقي تكتلات جماهيرية كبيرة، تقدر أحياناً بثلث الشعب اللبناني أو نصفه، في الميادين العامة لمعظم المدن والحواضر اللبنانية.

السمة العامة للحالة هي ذلك الشعور بالقوة الذي تولده الجماعة وهي في حالة «ظاهرة جماهيرية» فيها الكثير من الحماس والاندفاع والعنفوان، وفي وضعية التظاهر الذي يرفع شعارات تحتج على الفساد الذائع؛ وتطرح مطالبات في معظمها اقتصادية؛ ومجمع من التعبيرات التي تدعو الجميع إلى الثبات في مواجهة سلطة غاشمة.

أحياناً، وعلى الطريقة اللبنانية، هناك بعض من البهجة التي تخرج غناء بل وأحياناً رقصة للدبكة؛ فبعد ساعات من الهتاف ورفع الأعلام التي يحتضنها الجميع بأشكال مختلفة بعد أن غابت كل الأعلام الأخرى، فإن هناك وقتاً لشحن البطاريات الوطنية التي تخلق كهرباء للعلاقة بين أفراد جمعتهم ربما لأول مرة حقيقة رفض الأوضاع القائمة، والدعوة إلى أنه آن أوان تغييرها جذرياً.

التغيير بالطبع فيه رفض لرموز طال بقاؤها على الساحة السياسية، ولكن «كلن يعني كلن» أن يذهب الجميع إلى غير رجعة لأنهم ليسوا بالضرورة أفراداً ولكن الأكثر أهمية أنهم يمثلون طوائف وجماعات مصالح أقامت بينها حدوداً جغرافية وفكرية، ولكن جماعتهم يستفيدون من الأوضاع القائمة التي استندت إلى توافق وطني سابق على أن يكون رئيس الجمهورية مسيحياً مارونياً، ورئيس الوزراء مسلماً سنياً، ورئيس مجلس النواب مسلماً شيعياً؛ وبعد ذلك تأتي باقي المراتب والوظائف العليا في الدولة موزعة هي الأخرى بين الطوائف الرئيسية؛ ولكن للطوائف الأخرى الأقل عدداً من دروز وروم أرثوذوكس أو كاثوليك نصيب وحظ.

بشكل ما فإن هذا النظام خلق حالة من التوازن الحساس، ولكنه توازن في كل الأحوال، وفي أوقات كان يمكن للبنانيين الفخر بأنهم يطبقون نوعاً من الديمقراطية اسمه الديمقراطية «التوافقية» أو Consociational Democracy التي تراعي التقسيمات الطائفية كما هو الحال في هولندا وماليزيا.

ولكن الحالة اللبنانية لم تعد كما كان الحال ساعة التوافق الذي جرى في عام ١٩٤٦، ففضلاً عن حربين أهليتين كبيرتين، وعدد من الحروب الأهلية الصغيرة، وأحداث للاغتيال والعنف؛ فإن الواقع الذي تولد عن الحرب الأهلية الأخيرة مضافاً لها عدداً من الحروب مع إسرائيل، قد ولد خللاً كبيراً في التوازن.

فالطائفة الشيعية التي تتمثل جماعة كبيرة منها بزعامة حزب الله، فقدت كثيرا مما يربطها ثقافياً وهوية بباقي الطوائف اللبنانية وأصبحت امتداداً لإيران، أكثر من مشاركتها للبنانيين آخرين.

ولأول مرة بين الطوائف اللبنانية باتت هناك جماعة لا ترفع العلم اللبناني وإنما ترفع علمها الخاص وفوقه صور الخميني ومعه المرشد العام خامنئي، وأمامهما تكون الدعوات للثورة الإيرانية.

«حزب الله» مع هذا المظهر أضاف إلى مخبره «التوكيل» الحصري للأمن القومي اللبناني. وأياً كانت الحالة في الحكومة أو مجلس النواب أو الجيش، فإن الحزب المسلح من قمة الرأس إلى أخمص القدم بات له الحق الحصري لقرارات الحرب والسلام بالنسبة للدولة.

وهن التوافق كثيراً، ولم يبق منه إلا شكليات يحسمها «الثلث المعطل» في مجلس الوزراء الذي له حق الاعتراض أو «الفيتو» على القرارات.

الخلاصة لم تعد ديمقراطية التوافق ممكنة؛ ومعها وجدت البلاد نفسها متورطة في الحرب الأهلية السورية، ومعها في الحرب الأهلية العراقية، والثالثة اليمنية.

أصبح لبنان في النهاية واقعاً تحت العقوبات الدولية.

وهكذا لم تكن هناك مصادفة أن الهدف الرئيسي للحراك اللبناني هو إقامة الدولة الوطنية التي تضم اللبنانيين جميعاً؛ ومثل ذلك سوف يمثل أكبر تحدٍ تواجهه الدولة اللبنانية منذ قيامها.

فحزب الله، فضلاً عن زعماء الطوائف الأخرى، لم يعترضوا على المطالب الاقتصادية التي طالب بها المتظاهرون، ولكنهم لم يكونوا على استعداد لا للاستقالة، ولا للقبول بوزارة انتقالية تضع البلاد على مسار دولة وطنية تقوم على المساواة بين المواطنين على أساس من الجدارة وليس الطائفة.

مثل ذلك ثورة كبرى وليس مجرد حراك سياسي، وثمنه كبير للغاية!

طباعة Email