حين كافح الأطفال ضد العنصرية

بوفاة نائب الكونغرس إيليا كامنغز ـ فقد الكفاح من أجل الحقوق المدنية لسود أمريكا ومعهم كل الأمريكيين واحداً من رموزه المهمين. وأحد الذين حملوا شعلة الحقوق المدنية إلى القرن الحادي والعشرين.

ولد كامنغز لأبوين من أجراء المزارعين، عملا في قطعة أرض كان أجدادهما يعملان فيها كعبيد. وهو تربى في جنوب مدينة بالتيمور، بولاية ميرلاند، في حي فقير للسود، في أوج مرحلة الفصل العنصري، فكانت المدرسة فقيرة الإمكانات.

ومن المعروف أن كامنغز، وهو طفل في الحادية عشرة من عمره، كان واحداً من مجموعة من الأطفال السود والبيض قرروا السباحة معاً في مسبح كان مخصصاً للبيض بالمدينة، أملاً في وضع نهاية للفصل العنصري بالمسابح العامة.

فكان جمهور البيض يبصقون على الأطفال السود. وتعرض كامنغز لجروح حين قذفه واحد من البيض الغاضبين بزجاجة، فقال كامنغز عن تلك الواقعة إنها «غيّرت مجرى حياته».

وقد تعرض كامنغز لأسوأ أشكال العنصرية حين قال له أحد المدرسين البيض إنه: «تلميذ ضعيف وليس خطيباً مفوهاً، ومن ثم عليه التخلي عن حلمه في أن يعمل بالمحاماة».

لكن إصرار كامنغز دفعه للتفوق فتخرّج في جامعة هاوارد، التي تعد من أهم جامعات السود وأكثرها احتراماً وشهرة، حيث درس العلوم السياسية. ثم درس القانون في جامعة ميرلاند وعمل فعلاً بالمحاماة.

وكامنغز كان طفلاً حين اندلعت فعاليات حركة الحقوق المدنية، التي صار يمثل جيلها التالي، الذي سعى لاستكمال مسيرتها، حتى صار ميراث كامنغز الأهم هو الكفاح من أجل حياة أفضل لفقراء السود.

فحركة الحقوق المدنية التي حققت إنجازات في مجالي الحقوق المدنية والسياسية، لم يتمكن زعيمها، مارتن لوثر كنغ، قبل اغتياله، من تحقيق هدفه التالي، وهو الحقوق الاقتصادية للسود. فكان كامنغز من أهم من سعوا في الكونغرس لتخصيص أموال فيدرالية من أجل حصول الفقراء على مساكن آدمية بأسعار معقولة.

ومثله مثل مارتن لوثر كنغ كان كامنغز من أولئك السود الذين جسدوا دور الكنيسة السوداء المحوري في مقاومة العنصرية في الولايات المتحدة.

وكامنغز ظل دوماً من مشجعي الشابات وتحديداً من الأقليات، فكان وحده تقريباً من قيادات الحزب الديمقراطي مشجعاً وداعماً للنائبة ألكزاندريا أوكازيو كورتيز.

وخلال عمل كامنغز بالمحاماة في مدينته، بالتيمور، لم يترك أبداً الكفاح من حقوق السود.

ثم فاز بمقعده في الكونغرس في عام 1996، أي في أوج الاستقطاب السياسي الذي صار هو القاعدة منذ تولى الجمهوريون الأغلبية في الكونغرس لأول مرة عام 1994.

وقد أعيد انتخاب كامنغز عن دائرته ثلاث عشرة مرة، بأغلبية كاسحة، فاكتسب أقدمية بالحزب الديمقراطي بمجلس النواب حملته أخيراً لرئاسة لجنة الرقابة التشريعية بالمجلس.

وخلال لقائه الوحيد بالرئيس ترامب، قال كامنغز له «سيدي الرئيس، إنك في السبعينيات من العمر وأنا في الستينيات.

فسرعان ما سوف نرقص أنا وإياك مع الملائكة، ومن ثم فعلى كل منا أن يبحث عما ينبغي عمله بخصوص نوع الحاضر الذي سنتركه للأجيال التي لم تولد بعد».

لكن كامنغز كان أول من فتحت لجنته تحقيقات لعزل ترامب ركزت على علاقات ترامب بالحكومة الفيدرالية وعمل ابنته وزوجها بالبيت الأبيض، ومن أهم من أدانوا مواقف ترامب المعادية للهجرة، فتعرض لهجوم شرس ومهين من الرئيس طال مدينة بالتيمور نفسها، ذات الأغلبية السوداء، التي قال عنها إنها «تعج بالفئران والقوارض»، وهي تعبيرات اختص بها ترامب دوماً مناطق السود بأمريكا بل وأفريقيا بالمناسبة.

وكامنغز كان خطيباً بليغاً في عباراته، قوياً في ردود أفعاله التي اتسمت مع ذلك بدرجة عالية من احترام الذات، رد على إهانات الرئيس لمدينته قائلاً دون ذكر ترامب بالاسم إنه «ينبغى للمسؤولين الذين يتبوأون أعلى المناصب أن يتوقفوا عن إثارة الخوف واستخدام لغة عنصرية».

وكامنغز حتى في فترة عمله نائباً في الكونغرس لم يكن يعيش في رغد حتى أن منزله لم تكن فيه تدفئة لأنه عانى أزمات مالية بسبب نفقات تعليم أبنائه الثلاثة.

وكامنغز لم يترك مدينة بالتيمور أبداً، حتى بعدما تولى مقعده بالكونغرس، حيث كان يستقل القطار يومياً من المدينة وإليها، حيث منزله.

لكن المفارقة الجديرة بالتأمل هي أن إيليا كامنغز، الذي كان من بين القليلين من رموز السود الرسميين الذين لم يتورعوا عن إدانة الشرطة الأمريكية علناً بسبب استخدامها للقوى المفرطة المفضية للقتل ضد السود، توفى في الأسبوع نفسه الذي عاد ذلك الموضوع للصدارة حينما قتل ضابط سيدة سوداء داخل منزلها وهي تمارس إحدى ألعاب الفيديو.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات