«ولكنّي أراكم قوماً تجهلون»

في الوقت الذي كانت الإمارات فيه تحتفل بوصول ابنها هزاع المنصوري، أول رائد فضاء إماراتي وعربي، إلى محطة الفضاء الدولية، كان الحاقدون والمثبطون يحاولون التقليل من هذا الإنجاز، الذي يسجل للإمارات والأمة العربية، ويعملون على تشويهه ونشر الأكاذيب عنه. فقد انبرى أحد الكتاب (يعمل مراسلاً في قناة الجزيرة) إلى كتابة تعليق على حسابه في «فيسبوك» مقللاً من أهمية الحدث، ذاكراً معلومات خاطئة عن الرحلة، وكيف تم اختيار رائدي الفضاء الإماراتيين لها، مستخدماً ألفاظاً تهكمية تدل على مدى جهله بتفاصيل الحدث، وتسيء له أكثر مما تسيء للإنجاز الإماراتي العربي غير المسبوق، عند من يعرف تفاصيل هذا الحدث وخلفياته وملابساته.

واضح من التخاريف التي ذكرها في تعليقه أن مؤلفها قد كتبها دون أن يتزود بمعلومات أولية على الأقل عن الرحلة، وواضح أيضاً أنه قد اندفع إلى التقليل من شأن الإنجاز الإماراتي العربي دون أن يجهد نفسه في البحث والاطلاع على أبسط تفاصيلها، وكيف تم اختيار هزاع المنصوري من بين أكثر من 4000 مواطن إماراتي، وليس 4000 راغب في السفر مثلما ادعى، تقدموا لاختباراتها، وأن الذي صعد إلى المحطة الفضائية من الإمارات واحد وليس اثنين، وأن الرحلة كانت لأغراض علمية وليست «فشخرة كذابة» مثلما ادعى في تعليقه. فأصغر طالب في مدرسة ابتدائية بإمكانه اليوم أن يجري بحثاً على محرك «غوغل» ليكتشف كمّ الأخطاء التي وقع فيها الكاتب من ناحية المعلومات، معرضاً نفسه للإحراج من قبل بعض المعلقين الذين عمدوا إلى تصحيحها له، دون أن يشعر بالخجل لوقوعه في مثل هذه الأخطاء. ونحمد الله أن أمثال هذا الكاتب الذي يدعّي أنه طالب دكتوراه قليلون، وأن جهلهم مكشوف، وإلا لكانوا كارثة على أمتنا التي لا ينقصها الجهلة والمتخلفون، ولا الذين يهرفون بما لا يعرفون.

الرد على مثل هذه الأصوات جاء سريعاً ومخرساً لها، ليس من خلال بيانات النفي والتكذيب التي لم يعد يصدقها المواطنون العرب، وإنما من خلال إعلان الإمارات عن تفاصيل «الاستراتيجية الوطنية لقطاع الفضاء 2030» التي تستكمل الإطار التنظيمي والتشريعي للقطاع الفضائي الوطني، والتي أعلنت عنها وكالة الإمارات للفضاء الأسبوع الماضي، إلى جانب الخطة الوطنية لتعزيز الاستثمار الفضائي، بما ينسجم مع مستهدفاتها الاستراتيجية الرامية لتنظيم القطاع الفضائي في الدولة. هذه الاستراتيجية التي تستهدف تعزيز مساهمة القطاع الفضائي في الاقتصاد الوطني، وإسهامات الدولة في مجال الفضاء وإبرازها على المستويين الإقليمي والعالمي، إلى جانب دعم الاقتصاد القائم على المعرفة، وخلق بيئة تنظيمية فعالة، وتطوير خبرات متخصصة، وجذب أهم العقول، وتحفيز الإبداع لدى الشباب. فضلاً عن بناء شراكات عملية بين المؤسسات الصناعية والتعليمية والبحثية، وتوطيد التعاون الدولي. هكذا جاء الرد على الترهات التي كتبها طالب الدكتوراه الجاهل.

كما جاء الرد أيضاً على لسان ديمتري روغوزين، المدير العام لوكالة الفضاء الروسية، الذي أعلن الأسبوع الماضي أيضاً عن البدء في الإعداد لإرسال رائد فضاء ثانٍ إلى محطة الفضاء الدولية بحلول عام 2022. وقال إن فترة إعداد رائد الفضاء الجديد سوف تستغرق سنة ونصف السنة على الأقل. وأشاد مدير عام وكالة الفضاء الروسية برائد الفضاء الإماراتي هزاع المنصوري وزميله الاحتياطي سلطان النيادي، الذي خضع لنفس التدريب معه، قائلاً: «إنهم شباب جيدون جداً». الأمر الذي يعني أن رائد الفضاء الإماراتي قد ذهب إلى الفضاء في مهمة علمية، في إطار برنامج طويل المدى، وليس في «رحلة تجارية» مثلما ادعى الكاتب الذي أعمى الحقد بصره وبصيرته.

في الوقت الذي تسعى فيه مثل هذه الأقلام المأجورة إلى التقليل من منجزات الإمارات الحضارية، ومن كفاءة أبنائها وتفوقهم في كل مجال، تعمل دولة الإمارات على تنفيذ خطتها الوطنية الرامية إلى أن تكون من أفضل دول العالم في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، حيث ستسهم الخطة في تحقيق السياسة العليا للعلوم والتكنولوجيا والابتكار واستراتيجية الإمارات للثورة الصناعية الرابعة، عبر بناء اقتصاد وطني تنافسي قائم على المعرفة والابتكار والتطبيقات التكنولوجية المستقبلية. هذا هو الفرق بين من يعمل ويجد ويجتهد من أجل رفعة وطنه وأمته، وبين من يقف متفرجاً منتقصاً من كل عمل وطني مخلص. ولهذا ستمضي دولة الإمارات في تنفيذ برنامجها الفضائي رغم هذه الأصوات الحاقدة، كما ستمضي في تنفيذ خططها الرامية إلى تشجيع أبنائها على ارتياد المجالات العلمية المختلفة، ومواكبة أحدث الدراسات والبحوث، حيث تهدف الاستراتيجية الوطنية لقطاع الفضاء إلى ضمان استدامة نمو القطاع خلال العقد المقبل وما بعده. وفي هذا الإطار أيضا جاء الإعلان عن تأسيس جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي في أبوظبي الأسبوع الماضي، لتكون أول جامعة في العالم للدراسات العليا في الذكاء الاصطناعي، حيث ستشكل هذه الجامعة إضافة نوعية للدراسات الأكاديمية العليا.

صعدت الإمارات إلى الفضاء، فأثار صعودها ضغينة الذين ما زالوا يبحثون لأنفسهم عن مواقع أقدام على الأرض. أما أنتم؛ يا من تدّعون العلم والمعرفة كذباً، فقد حاولت أن أجد لكم عذراً، ولكني أراكم قوماً تجهلون.

* كاتب إماراتي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات