العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    مُطلق الصُفارة

    حينما نقول «مطلق الصُفارة» يتبادر إلى أذهاننا حكام المباريات الشعبية ككرة القدم. وهذا بالفعل ما يحدث في مجتمعات الأعمال والاجتماع والسياسة. فهناك شخص ما أو جهة معينة، تحمل على عاتقها جرأة النفخ في الصافرة، وتحويل الأنظار إلى ما يعتقد أنه خطأ جسيم أو تعدٍ صارخ على اللوائح أو القوانين، أو انتهاك للأعراف الاجتماعية السائدة. وكل ما يمكن أن يشكل تهديداً مباشراً على المصلحة العامة.

    غير أن البعض بسبب تسرعه، ينسى أن في عصر كرة القدم صار هناك خدمة الإعادة البطيئة VAR المتوافرة لمطلقي الصفارة (الحكام)، للتأكد من مدى صدق أو دقة ما شاهدوه. فليس كل ما شاهدته يكون صحيحاً، فقد يغم عليك حقيقة الأمر لنقص في المعلومات، أو في فهم اللوائح أو القوانين المحلية والدولية. فكثير من البلدان مثلاً تضطر إلى القيام بتصرف ما يراه العامة بأنه تصرف غير حكيم، أو تدخل في شؤون أحد، إلا أنه قد يكون من حق البلد الفلاني، حسب القوانين الدولية، القيام به.

    هنا يأتي دور التأني وعدم المكابرة عند الوقوع في الخطأ، وإلا كانت مياديننا العامة تضج بالصافرات والإزعاج، الذي يخل بعمل الجهات والأشخاص المخلصين.

    مطلق الصافرة Whistleblower، قد يكون صحافياً محترفاً في تحقيق استقصائي عميق يكشف مأساة إنسانية، أو مصوراً، أو مخرجاً، أو إعلامياً، أو ناشطاً مجتمعياً صادقاً في مواقفه التي تصب في الصالح العام، وليس لمصلحة فئته أو حزبه.

    وأحياناً، المسؤول الكبير نفسه يسبق كل الرأي العام بكشف مشكلة كبيرة في الجهة التي يقودها، ثم يقدم الحل لكسب ود الجميع، قبل أن يفكروه أصلاً بالمشكلة. أي يمارس الدور الاستباقي. والتاريخ يزخر بقصص مطلقي الصافرات، مثل فضيحة ووترغيت، والتحايل في بيع أسهم مدرجة، والتهرب الضريبي، والفصل التعسفي في مؤسسات عملاقة بالقطاع الخاص، أو احتكار تجاري ينتهك قوانين المنافسة الشريفة وغيرها.

    وقد قرأت ذات مرة، أن هناك قانوناً أمريكياً قديماً يحمي كاشفي حوادث الفساد، بمنحهم نسبة من الأموال المستردة التي تتقاضاها الحكومة، ويحمي القانون أيضاً الموظف من الطرد التعسفي، حماية لدوره في كشف القضية. وعلمت أنه تم لاحقاً تغييره بما يتماشى مع روح العصر ومتطلباته. لكن تبقى فكرته مهمة، وهي ضرورة حماية من يكشف كل ما يضر مؤسسة تجارية من خطر داهم، أو أشخاص ينهبون خيراتها، وكذلك الحال مع الجهات العامة.

    غير أن مطلق «الصفارة» يجب أن ينتبه إلى القوانين المحلية في بلده، فقد يقع في ورطة انتهاك سمعة جهة أو فرد، من دون أساس قانوني يستند عليه. فليس كل ما تراه يمكن أن تفصح عنه على الملأ، فلا بد أن يأخذ مطلق الصفارة الطريق الصحيح، ليقي نفسه تداعيات تسرعه.

    وليذكر مطلقي الصافرات حول العالم، أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، ففكرة التشهير به ليست من الحكمة، والإكثار من حالات توزيع الاتهامات الركيكة، لا شك أنها سوف تهز الصورة الذهنية عمّن يدّعون أنهم يحملون لواء إصلاح مجتمعات القطاع الخاص أو العام.

    مطلق الصافرة قد يكون أي شخص من حولنا في العمل أو خارجه، ممن ينبهوننا إلى خطر داهم، نكاد أن نقع فيه كمسؤولين، أو بإحدى الجهات التابعة لنا. فليس من الحكمة التسرع بالنفي، قبل التمحيص في دقة ما يشاع من اتهامات.

    مطلق الصافرة قد يكون نعمة، إذا كان مثل حكم مباراة كرة القدم الملتزم بالقوانين والقيم العليا، وقد يكون وبالاً على نفسه ومجتمعه، إذا لم يكن بنّاءً في نقده أو منحازاً لطرف دون آخر، خصوصاً إذا كان يفتقر إلى الموضوعية وجدية الإصلاح.

    طباعة Email