إقامة الادعاء على الرئيس

ت + ت - الحجم الطبيعي

تختلف الدول في كيفية التعامل مع رؤسائها سواء أكان ذلك في حياتهم أم بعد مماتهم؛ ولكنهم في كل الأحوال لهم مقامات خاصة.

في الدول الحديثة ظلت محاكمة الرئيس من الأحداث الاستثنائية التي تحصنت لها الدساتير حفاظاً على هيبة ومكانة رأس الدولة ليس فقط داخل دولته، وإنما أيضاً في خارجها.

الولايات المتحدة تبدو حالة خاصة في هذا الشأن، فرغم صغر عمرها بين دول العالم فإنها شهدت حالات لاغتيال الرئيس مثل إبراهام لينكولن وجون كنيدي، ومحاولات للاغتيال مثل جيرالد فورد، ودونالد ريجان.

ووفقاً للدستور الأمريكي فإنه يمكن الإطاحة به إذا أخل بواجبات وظيفته، أو حنث بالقسم الذي أقسمه عند توليه الرئاسة.

وطريق الإطاحة هذه هي إقامة الادعاء وتوجيه الاتهام من قبل أغلبية مجلس النواب؛ أما المحاكمة والحكم على الرئيس فيكون من قبل مجلس الشيوخ وبأغلبية الثلثين، لأن منصب الرئيس فيدرالي منتخب من قبل أغلبية الولايات ممثلة في المجمع الانتخابي.

ومنذ تابعت السياسة الأمريكية في ستينيات القرن الماضي شاهدت ثلاث محاولات للإطاحة بالرئيس عبر المسار الدستوري. وكان أولها متعلقاً بالرئيس ريتشارد نيكسون الذي ألمت به ما بات معروفاً بفضيحة «ووترجيت» التي تجسس فيها كرئيس للدولة على اللجنة الانتخابية للحزب الديمقراطي، ثم بعد ذلك كذب على لجان التحقيق ودمر شرائط التسجيل الخاصة بالجريمة مما جعله معوقاً للعدالة.

لم ينته الأمر بالمحاكمة كما هو مقرر، بعد أن جرت صفقة قوامها استقالة الرئيس مقابل عدم المضي قدماً في إجراءات المحاكمة وقيام الرئيس جيرالد فورد بالعفو عنه عما قام به من جرائم.

وثانيها كاد يحدث مع الرئيس رونالد ريجان نتيجة ما عرف بفضيحة «إيران جيت»، ولكن الحديث عن المحاكمة لم يتعد مرحلة الحديث؛ ولكنها جرت مع الرئيس بيل كلينتون نتيجة الفضيحة الجنسية مع المتدربة «مونيكا ليونسكي» التي كانت تعمل في البيت الأبيض.

في هذه الحالة أقام مجلس النواب الادعاء وقرار الاتهام بالكذب على الرئيس، ومع ذلك فإن الإطاحة بالرئيس لم تتم لأن قرار الحكم لم يحصل على أغلبية الثلثين.

المدهش أن الرئيس الذي كان الأقرب للإدانة الكاملة ظل طوال المحاكمة حاصلاً على التأييد من أغلبية الشعب الأمريكي.

حالياً بدأت المرة الثالثة، حيث بدأت الإجراءات الخاصة بإقامة الادعاء على الرئيس دونالد ترامب في مجلس النواب بعد أن أخذت «نانسي بيلوسي» رئيس الأغلبية والمتحدثة باسم مجلس النواب المبادرة الأولية لوضع عملية الاتهام في المسار الخاص بها بعد أن ظلت لفترة طويلة تعارض القيام بهذه الخطوة نظراً لأنها سوف تقسم الشعب الأمريكي وكذلك الحزب الديمقراطي.

لم تكن التهمة هذه المرة ذات طبيعة جنسية رغم كثرة الذين اتهموا الرئيس بالتحرش الجنسي، ولا كانت التواطؤ مع روسيا للتدخل في الانتخابات الرئاسية عام ٢٠١٦ رغم توافر الكثير من الدلائل على التواطؤ وإعاقة العدالة وردت في تقرير «موللر» الذي قام بالتحقيق.

إقامة الادعاء هذه المرة تقوم على اتهام الرئيس بأنه خالف الدستور والقسم الرئاسي عندما طلب من الرئيس الأوكراني «فلادمير زيلنسكي» أن يساعده في البحث عن أدلة تدين رجل الأعمال «هنتر بايدن» نجل المرشح الرئاسي الديمقراطي ونائب الرئيس السابق في عهد باراك أوباما «جو بايدن» فيما يقوم به من معاملات في أوكرانيا.

المعلومات جاءت عن طريق اثنين من «نافخي الصفارات» أو الشهود الذين استمعوا إلى مكالمة الرئيس الأمريكي مع الرئيس الأوكراني والتي لم يكن يتحدث فيها عن موضوعات تخدم الولايات المتحدة الأمريكية، وإنما تخدم مصالحه الخاصة في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

ما كان لافتاً لنظر الشاهدين هي أن مكالمات الرئيس تضمنت ربطاً شرطياً بين المساعدات الأمريكية (٤٠٠ مليون دولار) وقيام الرئيس الأوكراني بهذه المهمة؛ ويبدو أن أوكرانيا لم يكن لديها اختيارات كثيرة للتعامل مع الأمر.

الرئيس ترامب هاجم خطوة مجلس النواب، واعتبرها غير شرعية وغير دستورية، وأنها خطوة مقصود بها الثأر من الهزيمة الديمقراطية في الانتخابات الرئاسية السابقة، وأكثر من ذلك طالب الصين بالبحث في سجلات هنتر بايدن.

ورغم أن الطريق لانتخابات ٢٠٢٠ لا يزال طويلاً، فإن المؤشرات الحالية، واستطلاعات الرأي العام تشير إلى أن فرص ترامب للفوز بالرئاسة للمرة الثانية مرجحة!

طباعة Email