العراق على شفا... ماذا؟

انفجار غير مسبوق في الشارع العراقي مطلع أكتوبر الجاري، انفجار لم يكن غير متوقع بل كان وقوعه مؤجلاً، فهو ليس مجرد تمرد أو تظاهرة أو صحوة أو انتفاضة أو وثبة، مفردات حركات الرفض العراقي لسياسات السلطات القائمة منذ أربعينيات القرن المنصرم.

إنه حراك يُنذر بانفجار مجتمعي كبير، فالأوضاع قد أوشكت على الإفلات من قدرات السيطرة عليها رغم القوة المفرطة التي استخدمت لمواجهتها بخراطيم المياه والقنابل المسيلة للدموع، إلا أن الدولة وعلى لسان رئيس الجمهورية نفت أن تكون قد أصدرت أوامر إطلاق الرصاص الحي الذي انهال على المتظاهرين من قناصين يكمنون في سطوح البنايات التي تطل على ساحات التظاهر.

التظاهرات عفوية ذات طبيعة شبابية خلت من لافتات الأحزاب أو التيارات أو التكتلات التي فشلت قياداتها في الارتقاء إلى مستوى تفهم ما يتفق مع متطلبات المستقبل وتلبية طموحات جيل الشباب المحروم الذي بدا في ميادين التحدي غير متردد في تقديم أقصى التضحيات في الدفاع عن حقوقه المشروعة في حياة كريمة.

صلابة وتحدٍ لم يتأتى من فراغ، فتأريخ ستة عشر عاماً من الإهمال واللا مسؤولية للطبقة السياسية التي تحكم العراق قد صنعت جيلاً يائساً لا ثقة له بالمستقبل في ظل استمرارية بقاء هؤلاء في سدة الحكم. تظاهرة لم يرفع فيها غير العلم العراقي، أبرز ما اتسمت به هو إسقاط قدسية القيادات الدينية، إذ لم تعد العمامة صاحبة القرار في إطلاقها والتحكم في توجيهها وفي مآلاتها.

التظاهرات في العراق ليست ظاهرة غريبة عن شوارع مدنه وساحاتها الرئيسية التي تعمدت بالدماء في مناسبات عدة على مدى عشرات السنين، فقد اندلعت للأسباب ذاتها تظاهرات عام 2011 ثم عام 2015 بهوية سياسية معينة حرصت السلطات الأمنية على التعامل معها بقدر من الرفق لمعرفتها بمطالب قياداتها التي لم تتردد في خذلان جمهورها والتخلي عنه وسط الطريق لحسابات تتعلق بمصالحها لأنها جزء من الطبقة السياسية الحاكمة.

لسنا بصدد الحديث عن دوافع هذه التظاهرة وغيرها، فالموضوع قد أشبع دراسة وتحليلاً على مر السنوات، ولكن المهم الآن في ضوء هذا الحراك الشعبي المتفاقم أن نحلل المسارات المتوقعة لمستقبل العراق، فهي قد تكون واعدة أو قد تكون غير ذلك.

حكومة عبد المهدي غير قادرة، أو بالأحرى غير مؤهلة لمقاربة هذا الحراك الجماهيري، بل وحتى مقاربة ما هو أقل منه توتراً وخطورة، فهي ليست استثناءات من الحكومات التي سبقتها، فجميع من أشغل منصب رئاسة مجلس الوزراء منذ عام التغيير في 2003 لم يكن بمستوى ما يتطلبه المنصب من قدرات قيادية، وهذا أحد الأسباب التي وقفت وراء الفشل في مقاربة الواقع العراقي ومنع تفاقم أزماته.

فمقاربة ملف الفساد، وهو الأكثر أهمية، تتطلب مواجهة وطنية غير قابلة للتساوم بوجه سعة وعمق ما تلعبه طهران ووكلائها في العراق من دور خطير عبر ميليشياتها المدججة بالسلاح من إستلاب سيادة البلد في تقرير سياسات حكوماته منذ التغيير في 2003، نهوض العراق واستعادته لسيادته شرط أساسي وأساسي جداً جداً لتطويق الفساد والقضاء عليه.

التظاهرات العارمة ليست موجهة ضد عادل عبد المهدي، إلا أن مستقبل حكومته مرهون بما ستتمخض عنها مقاربته لها، فحزمة الإجراءات التي اتخذها جاءت متأخرة كثيراً، يدخل معظمها في باب وعود لن تتحقق فوراً إن كانت هناك نوايا حقيقية للإيفاء بها. فأجهزة الدولة غير حرة في صياغة قراراتها ولا تنفيذ ما تؤمر به إلا وفق السيناريوهات التي تسمح بها الطبقة السياسية المسيطرة على القرار السياسي، وعلى القنوات الإدارية التي يمر بها المال العام.

التحرك الجماهيري الكبير تسبب في إحداث صدمة شديدة للطبقة السياسية الحاكمة والقلقة جداً من تداعياتها، فالأزمة ذات بعد عميق قد يطال بنية العملية السياسية، وهي بحاجة إلى معالجة ترقى إلى هذا المستوى، معالجة لا تستبعد تعليق هذه العملية ومجيء حكومة إنقاذ وطني تعمل على إعادة النظر بالأسس التي بنيت عليها زمن الحاكم الأمريكي بريمر ووقف العمل بالدستور لفترة معينة قد تكون سنة أو أكثر تمهيداً لمجيء حكومة جديدة وفق انتخابات حقيقية حرة بإشراف دولي. الملفت أن الولايات المتحدة لم تبد اهتماماً بما تشهده الساحة العراقية من تشنجات خطيرة يتناسب مع مسؤولياتها الدولية، وبشكل خاص مسؤولياتها الأخلاقية إزاء العراق بحكم كونها راعية العملية السياسية فيه.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات