مراتب الوصوليين

الوصولي يكرس جل وقته للوصول إلى مآربه الشخصية، وإن كان على حساب الآخرين. على الرغم من محدودية كفاءته إلا أنه لا يجد في نفسه الرغبة في تنفيذ متطلبات ما يبتغيه من منصب أو مكانة. فهو يفكر فقط في نفسه وهو عين الأنانية في أبشع صورها.

هذا الانتهازي مستعد للتزلف والتملق ويحاول الوجود في دائرة أصحاب القرار بأي ثمن ولو كان على حساب كرامته. لذا فإن النسخة المتطرفة منه تشبه «البولدوزر» الذي يمكن أن يسحق أي جسم أو شخص يقف في طريقه.

وفي حين أن الآخرين يرونه شخصاً وضيعاً، إلا أنه يعتبر سلوكه أرفع أنواع الذكاء! فهو استطاع أن يحقق مبتغياته بأقصر الطرق. وربما هذا ما دفع رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرتشل إلى القول بأن «كثيرين ارتقوا سلم المجد، إما على أكتاف أصدقائهم أو على جماجم أعدائهم».

مشكلة الوصولين أنهم لا يتورعون عن أن يضعوا أنفسهم في المقدمة على حساب الآخرين ومن دون ذرة تردد أو خجل، وفق تعريف علم النفس. وهو لا يرى أصلاً أن ما يفعله يستدعي الخجل، بل يستغرب كيف لا يبتهج معه الناس حينما يصل إلى مكانة أو منصب لا يستحقه. فهو لديه درجة من درجات «تضخم الأنا» لكونه يرى نفسه أذكى مما يتوقع البعض وأنجح. الذكاء نسبي وموضع خلاف.

غير أنه بالفعل «ناجح» في تحقيق هدفه الإداري. فلدينا في الإدارة نوعان، مدير «ناجح» successful وآخر فعال effective. الأول يصل إلى مبتغاه بشتى السبل ولو على حساب قيمه وعلى حساب تخطي كل الأعراف والمبادئ الاجتماعية. فهو نجح «إدارياً» فقط في «تسلق» السلم الوظيفي. وعادة لا يبالي بهذا الانتهازي من هم أعلى منه لطالما أنه يحقق أهدافهم الموضوعة.

غير في نظريات الإدارة لا نعتبر هذا الشخص مديراً «فعالاً» فالفعالية مرتبطة بقوة التأثير فيمن حوله، ونجاحه في تحقيق أهداف المؤسسة، وربما نيله احترام خصومه قبل حلفائه من جهة مهنيته وقوة تأثيره في محيطه. ولذا هذا المدير هو أقرب لصفات القائد نظراً لفعاليته.

وينقسم الأصوليون إلى مراتب. فمنهم العجول الذي يدرك بأن منصب من يحاول التزلف إليهم زائل. فهو يسعى بخطى حثيثة نحو أن يظفر بأكبر قدر من الغنائم ولو على حساب غيره. فهو أشد حدة عندما يتعلق الأمر في مصالحه الشخصية، ومستعد لأن يضرب مصالح المؤسسة التي أؤتمن عليها بعرض الحائط في سبيل أن ينال مطلبه بأسرع وقت ممكن.

وهناك الوصولي «بعيد النظر» فهو أرفع منزلة من العجول، لأنه مستعد للانتظار لشهور وربما لسنوات طويلة في دائرة أصحاب القرار في منظمته، ويسعى إلى تنفيذ أجندة لا تتماشى مع القيم النبيلة في سبيل أن يثمر تزلفه «لاحقاً» بمنصب أو حفنة مكافآت لا يستحقها.

وهناك «الوصولي التائه» فهو لديه الاستعداد الذاتي لأن يدوس على كل القيم واللوائح والأعراف في سبيل تحقيق مراده، لكنه لا يعرف كيف! فيبقى في حالة ترقب لجوقة الوصوليين من حوله ثم لا يملك سوى تقليدهم. بعضهم ينجح لكنهم أقرب إلى الوقوع في أخطاء فادحة لأنهم «لا يعرفون من أين تؤكل الكتف» حسب قاموس الانتهازيين. وما أكثرهم في بيئات العمل.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات