العرب وإيران واحتجاجات العراق

تعددت اجتهادات المحللين السياسيين في تبرير أسباب الاحتجاجات التي يقوم بها العراقيون، فالبعض يرجعها إلى انتشار الفساد الإداري للمسؤولين السياسيين الذين يتجاهلون المطالب الشعبية، والبعض الآخر يرى أنها نتيجة طبيعية لحالة الإهمال في حق الإنسان العراقي الذي لم يعد أولوية لدى مسؤوليه بقدر الاهتمام بالمشاريع الإقليمية لإيران، التي تريد استخدام العراق ساحة حرب مع الولايات المتحدة.

وغيرهم يذهب إلى تفسير الأسباب نحو الإحساس بفقدان الأمن وانتشار الفوضى في المجتمع وغياب أفق المستقبل لدرجة أن الشعب بات يتمنى عودة نظام صدام حسين الذي عمل على إسقاطه ليأتي بما هو أفضل، لكن المشترك لدى جميع المتابعين من الناس العاديين والمختصين أن التغلغل الإيراني في الدولة والمجتمع العراقي بقيادة قائد فيلق القدس، قاسم سليماني، أو الموالين لنظام الملالي من العراقيين هم السبب الرئيسي في كل صور الفشل للحكومات العراقية المتتالية، وعليه تبدو الاحتجاجات كأنها موجهة ضد إيران تحديداً.

قادة إيران وعلى رأسهم المرشد الأعلى للثورة علي خامنئي، الذي حذر العراقيين، قبل يومين، من نتائج استمرار هذه الاحتجاجات، يدركون أنهم هم المستهدفون بالدرجة الأولى بل حتى الاتهامات التي يوجهها المحتجون للمسؤولين العراقيين يسقطونها على السيطرة الإيرانية، المباشرة والضمنية، لمراكز القرار (مفاصل الدولة) في الحكومة العراقية وعلى السياسيين الذين يأتمرون بالمقيم الإيراني في المنطقة الخضراء، لذلك لم تكن هناك استجابة سريعة لمطالب الشعب ربما انتظاراً لأوامر من طهران إلى أن تدخل رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي ووجه نداء للحكومة بالاستماع لمطالب الشعب كي لا تأخذ الاحتجاجات منحى آخر.

بل إدراك القيادة الإيرانية واستيعابها أنها المستهدفة في الانتفاضة وضح من خلال المشاهد المصورة لقوات الحرس الثوري وهم يقومون بقمع المحتجين العراقيين الذين تحدوهم بقوة لإثبات أنهم عراقيون.

الملفت في هذه الاحتجاجات التي شملت العديد من مناطق العراق أنها انطلقت من جنوبها حيث تتركز الميليشيات المحسوبة على إيران وتتفاخر في «صناعتها»، بل إن أغلب المحتجين هم من الطائفة الشيعية على اعتبار أنهم رفعوا شعارات تربط ما يتم على الأرض بمظلومية الحسين وهو مؤشر يمكن قراءته على أن العراقيين بكافة طوائفهم ينتمون للدولة العراقية وإلى العروبة وأنهم (الشعب العراقي) يرفضون التغلغل الإيراني ويطلبون بخروجها دون أن ينتظروا تحول وضعهم إلى الأفضل، فقط يريدون التخلص من إيران ومن أتباعها لأن بالتأكيد سيكون عراقاً مختلفاً بدون إيران.

إيران مرتبكة مما يحدث في العراق ليس خوفاً على استقراره وعلى شعبه وإنما لخسارة نفوذها فيه، فهي الساحة البديلة لإيران في مواجهة محتملة مع الولايات المتحدة وقد أعلنت ذلك أكثر من مرة، وإيران قلقة من انتقال عدوى الاحتجاجات إليها، يدعم ذلك أن منبع الاحتجاجات الطائفة الشيعية، والتي لاقت شرعية من المرجعية في النجف.

وبالتالي فالاحتمال قائم وهناك مؤشرات على ظهور بعض التظاهرات في إيران، لا سيما وأن مبررات الاحتجاجات تبدو واحدة؛ الوضع الاقتصادي والاجتماعي في الدولتين، كما أن العراق في عهد ما بعد صدام حسين في الاستراتيجية الإيرانية مقدمة لكل طموحاتها الإقليمية وبالتالي فالمسألة بالنسبة لنظام الملالي بداية النهاية.

بعد هذه الاحتجاجات وبغض النظر عن النتيجة التي ستتمخض عنها فإن إيران لن تعود تتصرف في العراق وهي مطمئنة بأنها منطقة نفوذ أو أنها «الحديقة الخلفية» لها، بل هي الشرارة-الاحتجاجات-التي يمكن أن تخمد بفعل القوة الأمنية للحرس الثوري وربما الحشد الشيعي الذي أعلن أنه مستعد للتدخل لإخماد الانتفاضة، ولكنها ستظل هاجساً يقلق مضجع قادة طهران، فالعراقيون أعلنوا أنهم يريدون استقلالية قرارهم.

العراقيون، سنة وشيعة، وجهوا رسالة إلى العواصم العربية التي تدرك خطر إيران على استقرار المجتمعات ورفعوا عنها حرج الوقوف في مواجهتها، فحوى تلك الرسالة أنهم يحتاجون إلى الوقوف بجانبهم ودعم مطالبهم الشرعية بالخروج الإيراني منها.

وما ينبغي من الدول العربية هو عدم تجاهل تلك الرسالة وإلا كان الأمر تكراراً لخطأ حدث عام 2005 بترك العراق لتعبث فيه الأيادي الإيرانية من خلال صياغة الدستور العراقي، فهذه «فرصة سياسية» يمكن أن لا تتكرر لإعادة العراق إلى الصف العربي.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات