هل ترامب عدو نفسه؟

الوقع السريع للغاية للتطورات داخل الكونجرس وخارجه بخصوص عزل ترامب تمثل ضغطاً شديداً على الإدارة الأمريكية. لكن أداء البيت الأبيض والرئيس نفسه في التفاعل مع الأحداث قد يعرض الرئيس لمزيد من احتمالات العزل.

ففي أسبوع واحد كانت لجنة استخبارات مجلس النواب قد شرعت في الاستعداد لعقد جلسات استماع يتم فيها دعوة سلسلة من الشخصيات التي لعبت أدواراً مختلفة في قصة العلاقة بين أوكرانيا والولايات المتحدة، والتي فجرها الكشف عن المحادثة التليفونية بين رئيسي البلدين والتي تم بموجبها البدء في إجراءات العزل.

فمن بين المدعوين للشهادة أمام اللجنة كل من السفيرة السابقة للولايات المتحدة لدى أوكرانيا، والتي تم إقصاؤها من جانب الإدارة، ثم المبعوث الخاص لأمريكا لدى أوكرانيا، والذي قدم استقالته بعدما تفجرت الفضيحة.

ومن بينهم أيضا المفتش العام لأجهزة الاستخبارات الذي تلقى خطاب المُبلغ عن تلك المحادثة. هذا بينما طلب المفتش العام الخاص بوزارة الخارجية بنفسه لقاء أعضاء اللجنة في جلسة استماع مغلقة. كما استدعت اللجنة وزير الخارجية، مايك بومبيو، واستدعت رسمياً مجموعة من الوثائق التي بحوزة البيت الأبيض.

لكن التطورات المتلاحقة تلك لم تتوقف عند نشاط لجنة الاستخبارات، إذ كان أداء ترامب نفسه يصب الزيت على النار المشتعلة أصلاً. فقد صارت تصريحات الرئيس تستعدي أهم حلفائه، الذين بدونهم لا يمكنه الصمود أمام إجراءات عزله.

فقد صرح الرئيس الأمريكي بأنه يسعى لمعرفة هوية المُبلغ عن تلك المحادثة متهماً إياه بالتجسس وملمحاً إلى أنه لابد أن يعاقب وفق قوانين التجسس. وهو ما أدى لردود فعل غاضبة من واحد من أهم أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين وأقدمهم، وهو السناتور تشاك جراسلي، الحليف أصلاً لترامب.

فالسناتور الذي تولى مقعده بمجلس الشيوخ لأكثر من أربعين عاماً وصار في قمة هرم قيادات الحزب الجمهوري بالمجلس رفض علناً ما قاله الرئيس، مشيراً إلى أن المُبلغ قد اتبع الإجراءات القانونية ومر بالقنوات المؤسسية التي يحددها القانون لمن يريد أن يخطر عن عمل غير قانوني من جانب أي مسؤول سياسي، ومن ثم يجب حمايته، كما ينص القانون، من أي محاولات للانتقام منه.

ولم يكن جراسلي هو الجمهوري الوحيد الذي اتخذ ذلك الموقف، وإنما فعلت الشئ نفسه السناتور الجمهورية سوزان كولينز، التي رفضت هي الأخرى ما قاله ترامب.

ومما لا يقل خطورة، أن زعيم الأغلبية بمجلس الشيوخ، الجمهوري متش ماكونيل، كان قد أعلن أنه بموجب قواعد المجلس، «فلن يكون أمامي خيار» سوى أن يسمح لإجراءات العزل تأخذ مسارها بالمجلس، لو هي نجحت في الحصول على الأغلبية بمجلس النواب. فمتش ماكونيل سيخوض العام المقبل معركة صعبة للاحتفاظ بمقعده بمجلس الشيوخ عن ولاية كنتاكي.

ووجه الخطورة في كل ما تقدم أن مجلس النواب سينجح على الأرجح في امتلاك الأغلبية البسيطة اللازمة للتصويت على مواد عزل ترامب، كون الديمقراطيون يتمتعون بالأغلبية بالمجلس. ومن ثم، فإن إنقاذ ترامب من العزل يعتمد على مجلس الشيوخ الذي يتمتع فيه حزبه بالأغلبية.

فلأن الدستور الأمريكي ينص على أن يدلي مجلس الشيوخ، بأغلبية الثلثين، على مسألة العزل بعد تصويت مجلس النواب، يعتبر دور مجلس الشيوخ هو الحاسم، الأمر الذي يعني أن ترامب في أمس الحاجة لصمود كل أعضاء حزبه وراءه وقت أن يصل الموضوع للمجلس. فلو خرج عدد محدود من الجمهوريين عن إجماع الحزب، فبإمكانهم مع الديمقراطيين تشكيل أغلبية الثلثين بالمجلس.

ولأن استطلاعات الرأي صارت تشير لارتفاع مطرد في نسبة الناخبين الداعمين لعزل ترامب فإن أعضاء المجلس المقبلين على انتخابات العام القادم، مثل ماكونيل، ستتحدد مواقفهم بناء على مواقف الناخبين، خصوصاً إذا ما كان ترامب نفسه لا يساعدهم على الصمود في صفه.

الأسوأ من ذلك أن ترامب يفتح على نفسه أبواباً جديدة تستوجب عزله، فقيامه مثلاً باستخدام حسابه على تويتر لإعادة نشر تصريح لأحد رجال الدين المتطرفين الذي هدد «بحرب أهلية» في حالة عزل الرئيس، هو في ذاته سلوك من الممكن أن يضاف، وفق رجال القانون الأمريكيين، لقائمة القضايا التي تستوجب عزل الرئيس، خصوصاً أن ترامب نفسه كان قد هدد من قبل بالحرب الأهلية حال المساس به.

ومن هنا، يصبح السؤال الأهم في مسألة العزل هو ما إذا كان ترامب سيكون هو العدو الأول لنفسه.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات