شعوب تكنوقراطية

تكنوقراطية هي كلمة أصلها يوناني من كلمتين هما تِكني «فني وتقني» وكراتُس «سلطة وحكم»، ويعتبرها البعض شكلاً من أشكال الحكومة، تعني حرفياً حكومة التقنية ويقال حكومة الكفاءات أي أن المتميزين في مجالات معينة هم من يديرون شكل البلاد، فأفضل مهندس كهربائي يمكن أن يستلم حقيبة وزارة الطاقة، وأمهر طبيب يكون وزيراً للصحة وهكذا.

عندما قامت الثورة البلشفية في روسيا كان حال الكهرباء فيها بائساً، وكان الزعيم السوفييتي «لينين» يحلم بوصول الكهرباء إلى كافة مناطق روسيا، ولكنه كان يحتاج لهذا الغرض من يعرف الكهرباء ومن هو متخصص بتقنياتها، فطلب أن يجدوا له مهندساً من أميز مهندسي الكهرباء في روسيا، وكان هذا المهندس من معارضي النظام، ترك عمله خوفاً من البطش وعمل سائقاً للترام، حتي يخفي نفسه، فأمر لينين أن يجلبوا له هذا المهندس، فجلبوه لقصر الكرملين ووقف وجهاً لوجه أمام لينين وفي حوار علمي قال له لينين «ليس لي نية في أن تكون شيوعياً، كن ما شئت، كل ما يهمني هو الكهرباء التي في عقلك، فروسيا تحتاج الكهرباء لتحيا وأنت من سيساعدها»، وقام المهندس بتشييد أكبر خزان للتوليد المائي، والذي يعمل حتى الآن ومنذ ما يقرب المائة عام، وذهب الاتحاد السوفييتي وبقيت الكهرباء التي خطط لها ونفذها هذا التكنوقراطي.

يوجد في عالمنا الكثير من المهندسين والمعماريين ولكن لا يوجد الكثيرين أمثال الراحلة «زهى حديد» المصممة والمعمارية العراقية التي أذهلت بتصاميمها العالم، رحلت زهى ولم تنته إنجازاتها التاريخية في فن العمارة، رحلت وبقيت نظرياتها الهندسية باقية كإرث وموروث لجميع المهندسين من بعدها، وبقيت لنا معالم شيدت بناء على تصورها كان آخرها مطار بكين الدولي والذي تم افتتاحه قبل شهر تقريباً، والذي ما إن تشاهده حتى تعرف القيمة الحقيقية للراحلة زهى وعن إبداعها اللامتناهي، وهناك الكثير من النماذج التي تشابه زهى كل في مجاله التقني تفوق وأبدع، ومثل هذه النماذج هي من تميزنا، هي من تكتب نهضة تقدمنا، فالعبرة بالابتكار وقدرة الأشخاص عن خلق ما هو باق لسنوات.

التكنوقراطية قادمة عاجلاً أم آجلاً، فمع تقدم التكنولوجيا وتطور تقنياتها أصبح هؤلاء المبتكرون محط أنظار العالم، وأصبح من لديه مهندس بارع يعتبره ثروة قومية، ومن لديه شركة مبدعة يعتبرها ملكاً قومياً للدولة مستعداً ليدافع عنها بعتاده العسكري، ومن لديه حكومة ابتكارية يصل معهم وبهم إلى الفضاء، ومن معه شعب ابتكاري يغيّر من شكل الكون وقوانينه وأساسياته، ولن نصل لهذه الدرجة إلا إذا تخصصنا تخصصاً عميقاً في مجالاتنا لنخلق أفكاراً جديدة تغير من رواسب الأفكار القديمة وتأثيرها.

التطور التكنولوجي الذي يشهده العالم أفضل بيئة محفزة مرت عبر التاريخ، فالفرص متاحة في كل مكان، فقط لمن يتخصص بمجال يريد أن يخلق فيه كل ما هو جديد، هؤلاء من نريدهم لمجتمعاتنا، نصعد بعلومهم الفضاء ونشيد بأفكارهم رمال الصحراء.

التكنوقراطية مفهوم يجب أن يدخل جميع المجالات والتخصصات، وأن نسمح لهؤلاء التقنيين هؤلاء المتخصصين من المشاركة في اتخاذ القرارات، أن يكون لهم كلمتهم في نهضة البلاد، وأن نستغل نتاج أفكارهم في تنفيذ خططنا المستقبلية، هؤلاء هم الثروات الحقيقية لمن يريد أن يبني الأمجاد، فكل مهندس أو طبيب أو معلم أو حتى شيف في أبسط المطاعم يمكن أن يصبح ثروة قومية لوطنه فقط إن تخصص بمهنته وتخطى حدود المألوف ليخلق الابتكار الذي يميزه.

الكثير من بلداننا العربية بأمس الحاجة للتكنوقراطية لتنهض بشعوبها نحو الأفضل، بحاجة لأن تستغل طاقات شعوبها وإبداعاتهم لتصل بهم ما عجزت عنه أحزابهم السياسية، فالتكنوقراطية لا تعترف أبداً بالقوميات الزائفة ولا بالعنصرية المخربة ولا تعترف بالميول السياسية إنما تعترف فقط بالكفاءة والقدرة على العطاء، وهذا ما هو غائب عن الكثير من بلداننا، والتكنوقراطية هي الحل، والحل لا يكمن فقط بالحكومات إنما بالشعوب التي تستطيع أن تمتهن الابتكار وتجعل منه مستقبل أمة، فقد انتهت أمم وسقطت دول ورحلت أنظمة وبقي التاريخ ملتزماً بذكر الانجازات، فلنكتب تاريخنا في هذا الجانب أيضاً.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات