ماذا بعد هزيمة حل الدولتين؟!

أصاب الإسرائيليون حل الدولتين بأضرار جسيمة. فهم استقطعوا؛ ومازالوا عاكفين على استقطاع، أجزاء ثمينة من النطاق الجغرافي المرشح للدولة الفلسطينية، عبر أنشطة وسياسات استيطانية فوارة وعصية على الملل. وأعلنوا سيادتهم علي القدس، درة التاج الفلسطيني والعاصمة التي لا بديل لها ولا تنازل عنها بالنسبة لهذه الدولة. كما انهم بصدد إسباغ السيطرة النهائية على غرب غور الأردن، سلة غذاء فلسطين العتيدة والقلب النابض لقوتها الاقتصادية المرجوة؛ وما زالوا يمزقون أوصال الحقائق الفلسطينية بأكثر من 600 حاجز وارتكاز أمني؛ مكرسة لتنغيص حياة الفلسطينيين وتذكيرهم بالاستعلاء الصهيوني. هذا فضلاً عن التلاعب في مساحة المياه البحرية الإقليمية الفلسطينية، وما بها من موارد في عرض المتوسط، بالزيادة والنقصان وفقاً لأهوائهم، والتحكم المطلق في الأجواء الفلسطينية فوق الأرض؛ واستحلاب المياه العذبة تحت الأرض. يجري ذلك كله ونحوه، تحت سمع واشنطن وبصرها ورعايتها، بما يمثل تخلياً جذرياً عن الحل الذي تبنته الإدارة الأمريكية، بشكل موثق فيما يعرف بخريطة الطريق منذ العام 2004.

أي قراءة واقعية لتفصيلات المشهد في فلسطين التاريخية، سوف تستنتج أن تسوية الدولتين تنتمي إلى عهد الآمال؛ التي بنيت ذات حين على اتفاق أوسلو وتوابعه. لكنها راهناً باتت أقرب إلى فكرة طوباوية لا محل لها من الإعراب، ولا إمكانية لتطبيقها عملياً. إذ كيف يتأتى لحالة جغرافية وبشرية فلسطينية، تبدو كالأشلاء ومصابة بالندوب وعمليات القضم والاختراقات الإسرائيلية من كل صنف، أن تتحول إلى كيان له قوام الدولة؟ هذا أمر يحتاج إلى معجزة.

القصد عموماً أن شفاء الجسد الفلسطيني من العلل التي ألحقها به الاحتلال الإسرائيلي المديد وأشياعه، يتطلب بقاءه في غرفة الرعاية المركزة لعشرات السنين. ثم انه حتى لو تمكن الفلسطينيون، بما عرف عنهم من صلابة الإرادة و أشواق العيش الكريم، من التماثل للشفاء واستئناف السير في مناكب الحياة الطبيعية، فسوف تظل دولتهم مقيدة إلى ما شاء الله بقدرات عسكرية شديدة المحدودية؛ لا يسعها بأي حال بلوغ الندية مع «الجار الإسرائيلي» المسلح بطاقة قتالية جبارة.

يلقي الإسرائيليون بكل هذه الحقائق ظهرياً، وفي معرض مناكفاتهم ورفضهم المضمر لقيام الدولة الفلسطينية، يطرحون أسباباً ومبررات لا يقبلها المنطق العقلاني السوي. تقول ورقة بحثية أصدرها حديثاً مركز بيغن للدراسات الاستراتيجية أن «هذه الدولة تزيد جوهرياً من احتمالات شن هجمات إرهابية ضخمة، أو حتى نشوب حرب نووية اقليمية ). ويبلغ النزق الدعائي بهذه الورقة درك التنبيه إلى أن تقعيد فلسطين الدولة» ينطوي على تحد وجودي ويحمل مخاطر قاتلة على الدولة اليهودية. حيث يمكن لهذه الفلسطين أن تفلت من العقاب، وتستحوذ في خاتمة المطاف على أسلحة دمار شامل، بما في ذلك عناصر كيماوية وبيولوجية، بل وحتى نووية ).

يتفق مع هذا التحليل، المفرط في صناعة المخاوف الأمنية المترتبة على قيام دولة فلسطين، الشطر الأعظم من النخب السياسية وصناع القرار في إسرائيل. ودعكم هنا من زخرف قول النزر اليسير لمن يدعون بالسلاميين واليساريين. أولئك الذين شحب دورهم وغاب صوتهم، واسألوا عن ذلك جوقة المؤرخين الجدد، وكيف تم توظيفهم لغسيل السيرة السوداء لقيام الدولة الصهيونية، ثم انزاحوا عن الأعين والعقول وتوزعوا بين معتكف وبين منتكس على عقبيه وبين منكر لشهادته في حق هذه السيرة. ولا يغرنكم أيضاً التخاصم السياسي الحزبي المحتدم في غمرة العملية السياسية الإسرائيلية. فما بين هؤلاء من جوامع وثوابت تتنكر للحقوق الفلسطينية، وفي القلب منها حق تقرير المصير في دولة مستقلة ذات سيادة، أكثر بكثير مما يفرق بينهم ويثير التباغض.

لا يلوح في الأفق الإسرائيلي ما يوحي بتراكم أغلبية عاطفة على تسوية، ختامها حل الدولتين. والأصل في هذه النقيصة يكمن في معاناة الإسرائيليين من عقدة النشأة الاستيطانية الأولى؛ وهواجس الفزع من إعادة أطلال فلسطين بالقول أو بالفعل، أو بهما معاً. فإطلالة كهذه تعيد استحضار ما يعتبرونه، عن حق هذه المرة، البديل التاريخي والحقوقي لكيانيتهم. وهم الذين ظنوا انهم نجحوا في إخفاء معالمه على مدار مئة عام أو أكثر، من ورشة الهدم والتجريف وإعادة البناء والتحريف. لكن المعضلة هنا أنهم لا يتفقون أيضاً على بديل لهذا البديل.

* كاتب وأكاديمي فلسطيني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات