كورق الخريف تساقطوا!

يُحكى أن حاكماً دكتاتورياً قام بزيارة تفقدية إلى أحد أسواق اللّحوم. كانت السوق نظيفة ومنظمة، وأثناء تجواله مع رجاله في السوق، وقف عند جزار شاب، وبدأ معه الحديث:

الحاكم: لحومك ليست سيئة، كيف حال البيع معك؟

الشاب: في العموم جيد سيّدي.

الحاكم: وكم كيلو بعت هذا الصباح مثلاً؟

الشاب: لم أبع ولا كيلو واحد سيّدي.

الحاكم: لماذا؟

الشاب: بسبب زيارتك، لم يسمح بدخول الناس إلى السوق سيّدي.

الحاكم: إذن أنا أشتري منك، أعطني خمسة كيلوات من هذه الفخذ.

الشاب: لا أستطيع أن أبيع سيدي!

الحاكم: لماذا لا تستطيع؟؟

الشاب: بسبب زيارتك قاموا بجمع جميع السّكاكين سيدي.

الحاكم: تستطيع حتى بدون سكين، أعطني هذه الفخذ كلّها.

الشاب: لا أستطيع سيّدي.

الحاكم: لماذا؟ لماذا لا تستطيع؟

الشاب: لأني لست الجزار سيّدي، أنا عسكريّ من قوّات الشرطة المسلحة.

الحاكم غاضباً: اذهب ونادِ قائدك.

الشاب: قائدي يبيع السمك في الجهة المقابلة سيدي!

حكاية تلخص حال الشعوب مع الأنظمة الدكتاتورية في العالم، وما أكثرهم في التاريخ القديم والحديث. كلهم كانت نهاياتهم تليق بأفعالهم. ليسوا هم فقط، بل زوجاتهم أو عشيقاتهم. فكلارا بيتاتشي، آخر عشيقات موسوليني، سنحت لها الفرصة لتهرب خلال القبض عليهما.

لكنها فضلت الدفاع عن عشيقها بجسدها، أمام الرصاص الذي انهال عليهما، سُحلت الجثتان في شوارع ميلانو، ثم عُلقتا رأساً على عقب في محطة للبنزين، وبعد ثلاثة أيام، دُفنا معاً في مقبرة للمتسولين.

وعندما اتخذ هتلر قرار الانتحار، حيث لم يكن يريد أن يلقى المصير نفسه الذي لقيه حليفه موسوليني وزوجته، أمر بإحضار قاضي الأحوال الشخصية، وتزوج من عشيقته إيڤا براون.

ومن ثم تناول الزوجان العشاء مع أعضاء الحزب النازي، ودخلا غرفتهما، وسُمع دوي طلقات، وعند دخول الغرفة، كان هتلر ممداً على الأرض، ورأسه غارقاً بالدماء، بعدما أطلق النار على نفسه، وبجانبه زوجته، وقد انتحرت بقرصٍ من أفتك أنواع السم، كان قد أعطاه لها هتلر قبل انتحاره.

وفي عام 1919 م، تزوج ستالين للمرة الثانية من ناديجدا سيرجيفنا، ورُزق منها بطفلين. وفي عام 1932 م انتحرت، ويُقال إن سبب انتحارها، هو اعتداء ستالين المستمر عليها، وهذا ما لم يُذكر في التقارير الرسمية، فأرجع سبب الوفاة إلى التهاب في الزائدة الدودية.

الممثلة جيانغ كينغ، الزوجة الأخيرة لمؤسس الصين الحديثة، وأحد زعماء الشيوعية في العالم، ماو تسي تونغ، انتحرت في السجن، بعد موت ماو، حيث كانت من «عصابة الأربعة»، التي سيطرت على أجهزة السلطة في الحزب الشيوعي، وكذلك مؤسسات الصحافة والإعلام خلال الثورة.

نشأت الدكتاتوريات بين الحربين العالميتين، وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، أصبحت ملمحاً بارزاً في العديد من دول العالم الثالث حديثة الاستقلال، والتي غلب على أشكال الحكم في معظمها الطابع العسكري، كما أن الدول ذات أنظمة الحكم الشيوعية والاشتراكية، اعتبرت ديكتاتوريات من وجهة نظر الليبراليين.

وقد احتجوا في ذلك لغياب الاستقرار السياسي عن الكثير من هذه الدول، وشيوع الانقلابات العسكرية والاضطرابات السياسية فيها، إضافة إلى ظهور مشاكل تتعلق بمسألة الخلافة على السلطة.

هذا هو تاريخ البشرية، في أغلبه قتل وتعذيب وتجويع، حروب المنتصر فيها مهزوم، الرابح خسران والخاسر الأكبر الإنسان!

* كاتب أردني

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات