دبي تستذكر إرث راشد

في كل خطوة تخطوها دبي اليوم تستذكر إرث المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، الذي يصادف 7 أكتوبر ذكرى وفاته، فالتطور الذي تشهده دبي اليوم يستمد جذوره ليس فقط من ماضي الإمارة العريق وتراثها التجاري، لكن أيضا من الإجراءات التي اتخذها راشد وأسلافه في تمكين دبي خلال مختلف الحقب والتحولات لتصبح دبي واحدة من أسرع موانئ الخليج نمواً وتميزاً.

وقد أدرك جميع حكام دبي أهمية إرث دبي البحري والتجاري وثمّنوا دور التجار في نهضة الإمارة وفي إدخال عناصر الحداثة إلى المنطقة، ولهذا اهتم حكام الإمارات جميعاً بالمجتمع التجاري في إماراتهم وثمّنوا دور التجار في إثراء الحركة الاقتصادية وفي إدخال عناصر الحداثة والمدنية إلى المنطقة، فكان التجار يشكلون جزءاً مهماً من مجالس الشيوخ الاستشارية، فالتجار بحدسهم المعروف يعرفون ما هو مهم للبلد، فكما قال الشيخ راشد حاكم دبي: «ما ينفع التجار هو ما ينفع الإمارة»، فكان راشد يلخص بقوله هذا تلك العلاقة الأبدية بين التجار وبين حركة النهضة في دبي، فكل ما قام به راشد وأسلافه من مشاريع وإجراءات إنما كانت رصيداً للمستقبل.

لقد كان راشد يعمل ليلاً ونهاراً ليربط دبي بماضيها التجاري ويجدد الأمل بحاضرها وبمستقبلها، فراشد آمن بأن دبي على قلة مواردها الاقتصادية، تستطيع البقاء والمنافسة مع غيرها، وبالتالي وضع كل الخطط والاستراتيجيات التي تضمن لدبي التفوق والنجاح في مختلف الحقب والمراحل.

ولا يخفى على أحد أن الفترة ما بين 1971 و1990، وهي فترة حكم راشد لدبي في ظل الاتحاد، لم تكن فترة رخاء تام واستقرار اقتصادي ورفاهية مطلقة، بل هي فترة شهدت العديد من التقلبات الإقليمية والعربية والعالمية، والتي أثرت سلباً على استقرار منطقة الخليج والشرق الأوسط عامة، فقد تأثرت منطقة الخليج كلها بحرب أكتوبر 1973 وتقلبات أسعار النفط، كما تأثرت المنطقة بما حدث على الجانب الآخر من الخليج من الثورة في إيران والحرب العراقية - الإيرانية، وأخيراً الغزو العراقي للكويت في العام 1990.

كل تلك الأحداث كان لها تأثيرات عديدة على الاستقرار الاقتصادي في المنطقة عامة ودبي خاصة. وفي ظل كل تلك التقلبات كان راشد يقود مركب اقتصاد دبي بذكاء فطري معتمداً على حدسه الإداري تارة، وعلى التجار تارة أخرى، واللذين كانا عينه وأذنه في الميدان. ونتيجة سياسات راشد كانت موانئ دبي تعمل بشكل منتظم وبحيادية تامة.

وهكذا أضافت موانئ دبي المتعددة رصيداً مهماً لاقتصاد دبي خاصة، واقتصاد دولة الإمارات بصورة عامة.

وربما يكون الدور الذي لم ينل الكثير من إلقاء الضوء هو دور الشيخ راشد ونجاحه في خلق توازن مجتمعي رائع في دبي، فقد استطاع راشد بحنكة كبيرة إدارة التنوع الديني والإثني في دبي، وأن يخلق مجتمعاً قائماً على التوازن والمحبة وهدفه الارتقاء بالأوضاع الاقتصادية لجميع من يقطن دبي، فقد كان قلب راشد وعقله مفتوحاً لتلقي جميع الآراء والمقترحات، حتى تلك التي كانت تبدو خارج نطاق الصندوق، ودراسة تأثيرها وتحويلها إلى واقع معاش متى ما ثبت جدواها، فقد عارض بعض التجار الكبار قضية إنشاء ميناء جبل علي، ففي رأيهم أن إنشاء هذا الميناء لن يضيف شيئاً إلى دبي.

وعلى الرغم من ذلك فقد أصرّ راشد على هذا المشروع الذي أصبح اليوم إضافة مميزة لاقتصاد دبي، فدبي ما بعد النفط تعتمد اعتماداً كبيراً على التجارة ومناولة البضائع والتصدير والاستيراد، وجميع تلك تحتاج اليوم إلى موانئ إضافية، فقد تميز راشد بكل خصائص القائد السياسي المحنك إضافة إلى رؤيته الاقتصادية الملهمة، فكان احترامه للوقت ورحابة صدره وتواضعه الجم صفات حببت له الناس وقربته منهم، فقد جمع راشد حباً ليس فقط من مواطني دبي وتجارها، بل حتى القاطنين في دبي الذين وفر لهم راشد كل مقومات ممارسة الأعمال التي جعلت من دبي منصتهم الرئيسة لكي يبدأوا من الصفر وصولاً للعالمية.

إن دبي اليوم عندما تتخذ من الإجراءات ما يحمي المجتمع التجاري إنما تستذكر إرث المغفور له الشيخ راشد، طيب الله ثراه، وهي إنما تستذكر إرث شخصية جمعت في صفاتها الكثير، فكما كان راشد مخططاً استراتيجياً وعقلاً اقتصادياً فذاً وقيادياً يمتلك رؤية اقتصادية كان يمتلك عقلية سياسية وتنموية فريدة.

بالإضافة إلى كل ذلك فقد كان يمتلك وضوح الهدف والتصميم والإرادة القوية والقدرة على متابعة أدق التفاصيل، وكلها صفات لا بد أن يتحلى بها القائد لكي يصل إلى أهدافه.. رحم الله راشد بن سعيد باني دبي الحديثة ورائد نهضتها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات