أرض المواهب

تتقدم المؤسسات الخاصة والعامة عندما يكون فيها ثلة من الموهوبين. هذا أحد أسباب تقدم المنظمات على افتراض أنها تتحلى بقيادة ذات رؤية واستراتيجية وأهداف محددة يصبو القائمون عليها لبلوغها. فما بالنا إذا كانت تلك الشركة أو الوزارة أو الإدارة أو المدرسة تمتلئ بالموهوبين من كل حدب وصوب.

والموهوبون لا يجتمعون بأعداد كبيرة إلا بوجود حاضنة تقدرهم مادياً ومعنوياً. من هنا جاءت فكرة مدارس الفائقين التي تحاول بها البلدان تغذية سوق العمل بنجوم يمتلكون مهارات وقدرات تجعلهم مختلفين عن أقرانهم. ذلك أن الموهبة إذا لم تحظَ بالرعاية ذبلت. ولحسن الحظ فإن علوم الإدارة وعلم النفس يحفلان بأطنان من الأبحاث التي صارت تقيس بدقة ومصداقية مرتفعة مدى امتلاك الناس لمهارات معينة وافتقارهم لأخرى.

وهذا ما دفع الحكومة البريطانية إلى أن تعلن قبل بضعة أعوام بأنها سوف تصبح «رائدة العالم في المهارات بحلول عام 2020»، وذلك بأن تقارن نتائج مهارات سكانها بمهارات من جاؤوا على رأس تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD.

وهي منظمة اقتصادية دولية كبرى تعنى بإيجاد فرص وظيفية وتوفير الدعم اللازم لمشاريع التنمية المستدامة وتركز على المهارات لأنها تسهل إيجاد فرص عمل جيدة. ولذا فإنه يندر أن تجد مقابلة وظيفة لا تدور أسئلة لجنتها حول التأكد من مدى امتلاك المتقدم للوظيفة للمهارات أو المواهب المطلوبة.

المنطق يقول إنه كلما زاد عدد الموهوبين وأصحاب المهارات في مؤسسة ما فإن فرصتها للتقدم على نظيرتها أكبر وتحديداً تلك التي تمتلك الإدارة الذكية والرؤية ووضوح الأهداف. والأمر نفسه ينطبق على الفريق الرياضي. ففريق كرة السلة الاستعراضي الأمريكي نيوهارلم الذي ملأ الدنيا وشغل الناس كان عبارة عن حفنة من المذهلين الذين يجعلونك تقف لهم احتراماً، قبل أن يلقوا حتفهم في حادثة تحطم الطائرة الشهيرة. وكذلك الحال في كرة القدم يصعب أن تتخيل فريقاً لا يمتلك موهوبين يمكن أن يحصد أكبر عدد من البطولات الدولية.

ولذا، فإن المؤسسات العربية وتحديداً الحكومات مطالبة باستعراض مهارات سنوي لمهارات القوى العاملة الحالية والتي توشك أن تدخل إلى ميادين العمل لنعرف كم من الموهوبين يعيشون بيننا. ولحسن الحظ فإن مهارات الموهوبين يمكن قياسها علمياً. فمن معايير تقييم المهارات ما يسمى تحليل PIAAC وهو من أشهر الاستبيانات العالمية في قياس مهارات الأفراد بين سن 16 و65 عاماً. والخبر السار الثاني أن من لا يتحلى بالمهارات المطلوبة يمكنه اكتسابها إذا كانت لديه الرغبة الصادقة والمران، ولكل قاعدة شواذ.

وعليه فقد سعدت حينما قرأت عن إعلان دبي بأن أحد مبادئها الثمانية التي ترتكز عليها كان أن تكون البلاد «أرض المواهب». فتخيل نفسك ترى هذا الشعار مطبقاً بحذافيره في كل قِطر عربي فتنتقي ما تشاء من الموهوبين ليشكلوا قيمة مضافة للشركات والجهات الحكومية.

غير أن الموهوب بشر قد تفتر عزيمته أو يهجر وظيفته إلى ميدان أبعد ما يكون عن مواهبه والسبب أنه لا يستطيع أن يعيل أسرته من فتات ما ترميه له الإدارة مما تسميه «بحوافز مادية» والتي لا تسمن ولا تغني من جوع. وإذا ما زادت هجرة المواهب دفع الثمن غالياً البلدان والمؤسسات وليس الموهوب لأن الموهوبين مثل الطيور المهاجرة ستجد يوماً ما البيئة التي تحتضنها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات