عام التوطين

تخصيص الوظائف أو إعطاء الأولوية لمواطني أية دولة في العالم، أو ما يسمى عندنا في دولة الإمارات «توطين»، قضية لا تقل أهميتها عن أية قضية استراتيجية أخرى، وهي من القضايا التي تلقى ترحيباً في الحديث عنها على كل المستويات لأنها تمس كل الجوانب الاقتصادية منها، والاجتماعية والتعليمية، والسياسية.

كما تندرج في أحيان كثيرة ضمن قضايا الأمن الوطني لأنها قد تستتبع معها أو تنتج عنها مشاكل أخرى غير البطالة ومسألة البحث عن عمل، بل إن الأصل هو إعطاء الأولوية لمواطني الدولة دون أي تبرير غير موضوعي له علاقة بالمهارات.

وانطلاقاً من ذلك ينبغي علينا ألا يتملكنا الاستغراب كرأي عام أو مراقبين أو التفكير بطريقة الربح المادي كرجال أعمال عندما تلقى هذه القضية اهتماماً على أعلى المستويات السياسية في أي مكان من العالم وليس فقط في دولة الإمارات أو الدول الخليجية باعتبار أنها الدول الأكثر استقطاباً للعمالة في العالم وفي الوقت نفسه الأكثر اهتماماً-على الأقل إعلامياً- بمسألة توطين الوظائف.

وفي دولة الإمارات بدأت هذه القضية، القديمة الجديدة، تتصدر المشهد السياسي والإعلامي ويبدو أنها ستكون القضية الأولى خلال العام القادم خاصة بعد الاجتماع الأخير لمجلس الوزراء برئاسة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، حين لفت أنظار الرأي العام الإماراتي إليها من خلال وضع خطة عمل تتضمن عشرة بنود لتنفيذ عملية التوطين أو «أمرتة الوظائف» بطريقة مختلفة عما جرت عليه العادة فحينما يكون ملف معين في يد سموه فإن الموضوع ليس فيه مجال للتساهل أو للفرجة.

إن حديث التوطين هذه المرة ليس اقتصاراً على القطاع العام أو الحكومي كما اعتدنا بل سيشمل القطاع الخاص وبقوة الذي يعتبر أحد القطاعات الحيوية في استقطاب كفاءات أبناء الدولة.

كما لن يكون توطيناً شكلياً قائماً على زيادة عدد الإماراتيين في المؤسسات وهي نقطة في غاية الأهمية بل يبدو أنه سيتم إحلال الموظفين الإماراتيين في الوظائف الإدارية والإشرافية مع الاحتفاظ بعنصر الكفاءة من غير المواطنين. وحديث التوطين هذه المرة سيسد الباب على المتحججين والمشككين بقدرات أبناء الإمارات متجاهلين قصص النجاح لبعض المؤسسات الوطنية في الدولة.

الإمارات يعتبرها الكثيرون «أرض الأحلام» في الحصول على الوظيفة وهي واحدة من أكبر دول العالم استقطاباً للعاملين في المجالات المختلفة ليس فقط في القطاع الخاص الذي يسيطر عليه الوافدون ولكن حتى في المؤسسات الحكومية ويفترض ألا تشتكي من مشكلة البطالة أو عدم وجود وظائف لأبنائها خاصة وأنها تقوم بتأهيلهم علمياً وفنياً لتتوافق تخصصاتهم مع احتياجات السوق.

ومن الاعتيادي أن تقوم أية حكومة في العالم بمراجعة بعض سياساتها التي كانت في وقت من الأوقات مطلوبة وضرورية ولكن نتيجة لحصول تطورات معينة باتت غير مناسبة وتحتاج تعديلها بما يتناسب والمصلحة الوطنية للدولة وأعتقد أنه هو الذي حدث خلال الاجتماع الأخير للحكومة.

الشيء المؤكد، أنه لن يكون هناك مجال للتراخي في مسألة الالتزام بالخطة التي أعلن عنها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، لأن من يطلع على الإجراءات الواضحة والمتابعة الحازمة (كل ربع سنوي) مع الخبرة التاريخية لمتابعة سموه لأي عمل خاصة إذا كان يمس المواطن الإماراتي يدرك جدية الموضوع وأن الأمر بداية الحل الحقيقي، الأمر الذي يتطلب من المسؤولين في المؤسسات الاتحادية والخاصة وضع ملف التوطين ضمن الأولويات العام القادم الذي بلا شك سيكون عام التوطين.

نقطة أخيرة، ندرك أن التوطين الكامل للوظائف لا يمكن في أية دولة في العالم وهو أمر مستحيل نتيجة لاختلاف الخبرات والكفاءات ولكن الذي نفهمه أن هناك أولوية لمواطني أية دولة في العالم وليس في دولة الإمارات فقط.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات