تمخض الجبل فولد فأراً

عندما وصف مايك بومبيو وزير الخارجية الأمريكي الاعتداء على المنصات النفطية السعودية لشركة أرامكو بأنه «إعلان للحرب» لم يكن مبالغاً.

فقد كان الأمر كذلك فقد كان الاعتداء واقعاً على دولة ذات سيادة من ناحية؛ وعلى نصف الإنتاج السعودي من النفط وهو ما هدد بالفعل الاقتصاد العالمي. لم يكن ما جرى بعد ذلك إلا نوعاً من العجب السياسي الموظف لتأجيل التعامل مع الموقف الذي ذهب في اتجاه البحث عن إجابة للسؤال من الذي قام بتوجيه الصواريخ والطائرات المسيرة، وهل هي جماعة الحوثيين في اليمن التي اعترفت بالفعل بالقيام بهذه الجريمة، أم أنها جاءت من مصادر مجهولة في الشمال الشرقي ربما يكون إيران أو العراق، أو أنها جاءت من إيران مباشرة. كانت المفارقة كبيرة ما بين فداحة جريمة إعلان الحرب.

ورد الفعل الذي دار حول التحقيق حول المصدر الحقيقي للاعتداء. المدهش هنا أن تكذيب واشنطن لرواية الحوثي (المعترف فعلاً بالاعتداء) حمل نوعاً من التغاضي عن طبيعة العلاقة بين الحوثيين وإيران في التمويل والتدريب والتسليح والدعم السياسي والأيديولوجي.

ولم يكن هناك فارقاً إذا كان الإعلان للحرب من الشمال سواء قامت به قوات الحرس الثوري المقيمة في العراق أو ميليشيات الحشد الشعبي التي تعمل بأوامر من طهران. فالحقيقة أن دولة «إمامة الفقيه» هي التي تمسك بكل هذه الخيوط، وهي التي تحركها، وكلها لا يوجد لها ولاء، ولا شخصية قومية مستقلة، بل أنها متمردة على السلطة المركزية في بلادها، وتتحرك خارج إطار مؤسساتها وخاصة تلك المتعلقة بقرارات الحرب والسلام واستخدام القوة العسكرية.

في مجموعهم مع القيادة الإيرانية يشكلون معسكر الفوضى والتمرد في المنطقة. كان الرئيس ترامب قد أعلن أن الولايات المتحدة مستعدة، وأسلحتها محشوة بالذخيرة الحية وعلى استعداد للضغط على الزناد؛ وتردد أن هناك سيناريوهات أمريكية متعددة للأهداف الإيرانية أولها مضخات النفط الإيرانية، فتكون ضربة بضربة أخرى مساوية في المقدار، ومضادة في الاتجاه. وثانيها فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية كما فعلت واشنطن إبان أزمة الصواريخ الكوبية.

وثالثها ضرب منصات إطلاق الصواريخ ومحطات إنتاج واستخدام الطائرات المسيرة، ورابعها القيام بإنزال بحري والاستيلاء على الموانئ اليمنية الثلاثة على البحر الأحمر وفي المقدمة منها الحديدة؛ فتكون العقوبة قد نزلت بمن اعترف بالقيام بالاعتداء، وبعيداً عن طهران في نفس الوقت طالما أنها تصر على هذا الابتعاد، وهي من الحجم الذي يدفع الحوثيين والإيرانيين لكي يكونوا أكثر جدية على مائدة المفاوضات. وكانت الفكرة الذائعة هي أنه بدون هذا «الردع النشيط» فإن إيران سوف تستمر في سيساتها العدائية.

ولكن رغم هذه التقديرات فإن ما خرج من الولايات المتحدة فعلياً كان محدوداً، فكانت الخطوة الأولى هي فرض المزيد من العقوبات الاقتصادية على إيران وهي المعتصرة بالفعل من هذه العقوبات، وبدا مضحكاً أن فرض عقوبات على أفراد ليس لهم حسابات بنكية في الولايات المتحدة وحتى خارج إيران ليس لها معنى. وما جاء بعد المزيد من العقوبات الاقتصادية كان التلويح بالحرب السيبرانية.

وهذه كانت مرحلة مستخدمة بالفعل في مراحل سابقة من الأزمة مع إيران، وما لم يكن لدى الولايات المتحدة أهدافا جديدة لكنها تتعلق باستخدامات الصواريخ والطائرات المسيرة. إلا أن ما قامت به الولايات المتحدة كانت خطوات لكل منها مغزى:

أولها فتح باب الحوار مع الحوثيين وهو إلى جانب أن الاعتراف بالسلطة الشرعية الحوثية في اليمن يعد هدية مجانية لطرف لا يكف عن الاعتداء على مطار أبها المدني في السعودية ولم يبد استعداداً للالتزام بقرارات مؤتمر استكهولم. وثانيها أن الولايات المتحدة لم يتم الاعتداء على أراضيها.

ومن ثم فإن المهمة تقع على عاتق المملكة، وكأن الأزمة كلها لم تبدأ بنقض الاتفاق النووي وفرض العقوبات على إيران ومن ثم توجيه الاعتداء الإيراني إلى السعودية مباشرة بنفسها أو عن طريق وكلائها. وثالثها الإعلان الصاخب عن إرسال قوات أمريكية إلى المنطقة، ثم الهمس بأنها قوات لدعم الدفاعات الجوية السعودية.

Ⅶ كاتب صحفي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات