وحوش بشرية

الطفلة لم تكن في سن المشي. وربما تأخرت قليلاً. فالطفل الذي يطلع له أسنان يتأخر في المشي ومن يمشي أولاً تتأخر أسنانه.

كما كانت تقول أمي. فكلاهما، الأسنان والأقدام تستهلكان العظم على حساب الآخر.

الكل شاهد ذاك الوحش أو المريض النفسي أو منزوع الإنسانية أو سمه ما شئت، الذي انتشر الفيديو المقزز له وهو يضرب طفلته التي لم تتجاوز السنة ونصف السنة بصفعها عدة صفعات على وجهها، ثم رفعها من أذنيها وإسقاطها على الأرض وضربها على بطنها وهو يأمرها أن تقف، والمسكينة تبكي وتصرخ وهو يوالي صفعها.

الأدهى والأمر أن أم الطفلة هي التي صورت المشهد المريع. وكانت تشاهد طفلتها وهي تتعرض للصفعات، حسبما قال هذا «الوحش» مدعياً أن الفيديو قديم، وقد نشرته زوجته بعد أن تركته وأبناءه الأربعة وهربت.

حين تتعطل الإنسانية تصبح الحياة غابة والإنسان حيواناً ناطقاً، علماً أن لدى بعض الحيوانات جوانب إنسانية أكثر من بعض البشر. يقول الفيلسوف الفرنسي فولتير عن وفاء الكلاب وعلاقتها بالإنسان في كتابه الشهير «القاموس الفلسفي»: يبدو أن الطبيعة منحت الكلب للإنسان للدفاع عنه ولإسعاده. فمن بين جميع الحيوانات، الكلب هو الأكثر وفاء، إنه أفضل صديق يمكن أن يكتسبه الإنسان في حياته.

قيل إن بين العبقرية والجنون شعرة. وإن كان الأب «الوحش» حالة من حالات الجنون فإن للعباقرة جنونهم أيضاً. ومنهم الكاتب جان جاك روسو (1712 ـ 1778)، الذي كان من أشهر فلاسفة عصر التنوير الأوروبي، وتحدث المؤرخون عن مدى تأثيره على شخصيات ثقافية وسياسية خلدها التاريخ مثل إيمانويل كانت وفريدريك شيلر وكارل ماركس وتوماس جيفرسن وماكسيمليان روبسبير.

وامتد تأثيره ليشمل أحداثاً تاريخية غيرت مجرى التاريخ مثل الثورة الفرنسية، حيث كان تأثيره بالغاً على اليعاقبة الذين قادوا الثورة. وكان روسو فيلسوفاً وروائياً وموسيقياً وعالماً في تربية الأطفال، ولكن حياته كانت مليئة بالمفاجآت والتناقضات.

فعندما بلغ جان جاك روسو الخمسين من عمره نشر ثلاثة كتب وأشهرها «إيميل» الذي كان عن تربية الأطفال والقيم العائلية وأهمية العائلة في المجتمع، وهو الذي لم يتزوج عشيقته وأنجب منها. وكان أغرب ما فعله هو التخلي عن جميع أولاده الخمسة لدار الأيتام فور ولادتهم. وادعى في كتابات أخرى أنه لم يكن قادراً من الناحية المادية على إعالة الأطفال.

وكتب في مناسبة أخرى أنه قام بذلك لأن تربية الأطفال كانت ستأخذ من وقته الكثير، ما كان سيمنعه من التأليف. وادعى أيضاً أن التعليم البسيط الذي قد توفره دار الأيتام كان أفضل للأطفال. ولكننا لم نعلم أبداً أياً من الأسباب المذكورة أعلاه كان السبب الحقيقي.

وكانت حكاية أطفال روسو خير وسيلة لتوجيه النقد اللاذع له من قبل أعدائه، خاصة فولتير الذي سرعان ما انقلب عليه. وادعى روسو أيضاً أنه ندم على فعلته بعد عشر سنوات من تخليه عن ابنه البكر، فعاد إلى دار الأيتام للبحث عنه ولكنه لم يستطع العثور على أي وثائق تدله عليه.

جدير بالذكر أنه حسب الإحصائيات حول نسبة وفيات الأطفال في تلك الملاجئ بسبب سوء الظروف المعيشية في ذلك الوقت، كانت 75٪، أي أن ما فعله روسو بأطفاله كان في الواقع حكماً بإعدامهم.

والغريب في الأمر أن روسو كان قد نشر أحد أشهر الكتب عن تربية الأطفال في القرن الثامن عشر، وقال في أحد كتبه إن حقوق الأم الأهم في الحياة وإن العصيان المستمر لأوامرها يعد خطيئة، ومن الواضح أن كلامه لم يشمل والدة أطفاله. وإن كان البعض بوجهين فكم من أمثال روسو من سياسيين ومشاهير بعشرة وجوه كلها زائفة، مجرد أقنعة، ولكل مناسبة قناع.

ينطبق على روسو وأمثاله المثل الياباني: «توقف عن القراءة إذا كنت تصدق كل ما تقرأ»!

* كاتب أردني

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات