الطريق إلى حلف الأشقياء

قيل في يوليو الماضي، إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يدرس إمكانية التوجه إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باقتراح، يستهدف رفع مستوى العلاقات بين تل أبيب وواشنطن، إلى درجة التحالف الدفاعي المشترك.

ولم يكن من الصعب تخمين ما يدور في عقل نتنياهو، على خلفية رغبته المحمومة في إعادة تعويم مركزه في قلب العملية السياسية الإسرائيلية، عبر استقبال هدية من واشنطن.

بعض الخبراء بألاعيب نتنياهو السياسية وأساليبه في استقطاب الرأي العام، عبروا بذكاء عن هذا التوجه، حين شبهوا الرجل بالحاوي الذي يلجأ لخدعة استخراج الأرنب من أكمامه، طمعاً في فوز مؤزر بين يدي حملة انتخابات الكنيست الثانية والعشرين، التي جرت قبل أيام.

وكان هؤلاء محقين في الاعتقاد بأنهم بصدد فقاعة ابتدعها نتنياهو لمغازلة الناخبين، أقله لأن خطوة من هذا القبيل، تحتاج إلى وقت وإجراءات تفاوضية مطولة، ولا يمكن إنجازها جدياً في غضون شهرين. والأهم أنها ما انفكت تحلق في الأجواء الإسرائيلية الأمريكية بلا أي آفاق للتطبيق، منذ عهد الرئيس جيمي كارتر، قبل أربعين عاماً على أقل تقدير.

محاولة بيع بضاعة قديمة لتحقيق مآرب انتهازية، أمر يليق بشخصية نتنياهو المراوغة، ويبدو أن دراية معظم الإسرائيليين بطبيعة الرجل، جعلتهم يسخرون من "الفتاشة" أو البالونة التي أطلقها. لكن أحد تداعيات هذه المحاولة، أنها تستحضر للأذهان، التناظر الذي يطفو ويخبو كل بضعة أعوام، بشأن جدوى إبرام تحالف عسكري بين إسرائيل والولايات المتحدة.

وربما كان من المدهش حقاً للكثيرين، أن يثار مثل هذا الحديث، فيما يكاد الدعم الأمريكي للدولة الصهيونية على كل الصعد، أن يتجاوز بمسافة شاسعة، ما يمكن أن يحققه أي نمط من أنماط التحالف التعاقدي. حقاً، ما الذي ينقص إسرائيل من عطايا الظهير الأمريكي وأياديه السخية، كي يطمع نتنياهو، وبعض مريديه في ترجمة العلاقة الخاصة جداً مع واشنطن، إلى إبرام حلف عسكري موثق؟!

المفاجأة هنا، أن الشق الأكبر من التمنع والتحفظ إزاء هذا المطمع، الفائض عن الحاجة، يأتي أصلاً من الجانب الإسرائيلي. ما يعني أن توجه نتنياهو يخالف أهواء معظم النخب والقادة وصناع القرار، الذين تقلبوا على سدة الحكم في إسرائيل.

لقد كان الرأي السائد لدى هؤلاء من جيل المؤسسين، ثم لدى تابعيهم وخلفائهم إلى ساعتنا هذه، أن حلفاً كهذا سيوفر لإسرائيل مزايا أمنية شديدة البأس، لكنه سوف يغل أيديها عن الحركة والتصرفات الطليقة التي اعتادت عليها.

إذ سيتعين عليها التنسيق المسبق مع هذا الحليف قبل كل خطوة تخطوها، وهي التي تعتنق عقيدة الضربات المفاجئة. وقد يستلزم الحلف، الوفاء بمطالب أمريكية ترمي لإرضاء الشركاء العرب. وللقائلين بأن الولايات المتحدة سوف تظلل إسرائيل بعباءتها النووية، على غرار ما يضمنه حلف الناتو للأوروبيين، يعرف المعارضون دون الجهر من القول بأن إسرائيل دولة نووية بالفعل.

يقول المنطق السوي بأن التوجسات والمحاذير من تبعات مثل هذا الحلف، ينبغي أن تراود المسؤولين الأمريكيين، كونه سيربط تحركاتهم في الرحاب الدولية بعامة، والشرق أوسطية بخاصة، بشريك عدواني مشاغب، توسعي النزعة، وعاصٍ للقوانين الدولية، ويحتل أراضي للغير، بما في ذلك دولة بكاملها، اسمها فلسطين.

فما الذي سيضيفه عقد التحالف الذي يتحرق إليه نتنياهو إلى هذه المنظومة الجبارة؟!

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات