تصنيع الشائعات لن يتوقف قريباً !

الخبر السيئ أن الإشاعات والأكاذيب والأخبار والفيديوهات المضروبة لن تتوقف قريباً، والسبب أنها صارت سلاحاً خطيراً في يد الإرهابيين والمتطرفين، ومن يشغلهم، وكل من لا يملك حجة أو منطقاً، ثم إنها أرخص سلاح يمكنه تحقيق أكبر عائد بلغة الاقتصاد، أما الخبر الجيد فهو أن عرض المعلومات والحقائق أولاً بأول ينسف الإشاعات في مهدها.

الآن ثبت أنه بدلاً من أن تشتري صاروخاً أو طائرة مقاتلة أو حتى سلاحاً آلياً، يمكنك أن توظف خمسة أفراد فقط، في غرفة واحدة، ومعهم جهاز كمبيوتر، وتعطيهم دورة تدريبية مكثفة في فن تصنيع الإشاعات.

ومن سوء الحظ أيضاً أن الإشاعات والحملات المصنوعة صارت لصيقة بوسائل التواصل الاجتماعي «السوشيال ميديا». هذه الوسائل لها مميزات كثيرة للبشر والبشرية، لكن لها أضرار فادحة، حينما يتم استخدامها منصة للإرهابيين.

تابعنا كيف تمكن تنظيم داعش الإرهابي من تحويل هذه الوسائل لمنصة لتجنيد الأنصار الجدد في كل أنحاء العالم، وكيف حول بعض التطبيقات الحديثة إلى وسائل لتوصيل التكليفات بعمليات التفجير والقتل، في مناطق كثيرة بالعالم. في الماضي كانت بعض الدول تحتاج جيوشاً من البشر، في مؤسسات وهيئات وإدارات مختلفة لشن الحروب النفسية ضد العدو.

كما حدث مثلاً بين ألمانيا النازية والحلفاء بعد الحرب العالمية الأولى، أو في الحرب الباردة التي نشبت بين أمريكا ومعها الغرب، وبين الاتحاد السوفييتي ومعه شرق أوروبا، بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة «١٩٤٥» وحتى سقوط الاتحاد السوفييتي وتفكك الكتلة الشرقية ١٩٨٩.

الآن يمكن لشخص واحد أو بضعة أشخاص في غرفة واحدة، ومعهم جهاز كمبيوتر أن يؤدوا ما كان يؤديه هذا الجيش الجرار من البشر.

في مؤتمر الشباب الثامن الذي عقد بالقاهرة يوم السبت الماضي، بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي، شاهدنا ما عرضه المخرج تامر الخشاب، بشأن المدى الذي وصلت إليه عملية تصنيع الشائعات.

يمكن لشخص واحد يجيد العمل على الكمبيوتر أن يزيّف لك كل شيء، ليس فقط الكتابات ولكن الفيديوهات.

شاهدنا في هذه الندوة كيف أمكن لشخص واحد فبركة فيديو متكامل عن الزجاج المكسور في جسر روض الفرج على نيل القاهرة. هذا جسر حيوي في إطار محور استراتيجي يربط بين شبرا بالقاهرة، والضبعة على الساحل الشمالي، وحينما تم افتتاحه قبل شهور، فوجئ الناس بفيديو غريب ومريب، يزعم أن «الممشي الزجاجي» على الجسر مهشم، وهكذا غطى هذا الفيديو على افتتاح الجسر الكبير.

بعدها عرفنا شيئين الأول أن الجزء المهشم كان أثناء المرحلة التجريبية للجسر، وليس بعد افتتاحه، ثم أن ما تم عرضه في الفيديو اللاحق كان محض تزييف وتلفيق. شاهدنا أيضاً فيديو يعرض للشروخ الكثيرة في بعض العمارات التي بنتها القوات المسلحة، وتم تداول الفيديو بكثافة، للتشكيك في كل ما تبنيه الدولة، ثم تبين لنا أن الشروخ وهمية ومفبركة وأن العمارات سليمة تماماً.

وهكذا وبدلاً من قيام المضللين بكتابة ملايين المقالات أو إلقاء آلاف الخطب والتصريحات، وعقد المؤتمرات التي تكلف الكثير، يمكن صناعة فيديو مفبرك يؤدي المهمة نفسها ولن تزيد تكلفته على 100 دولار!!

شاهدنا أيضاً فيديو مفبرك يعرض لعبارة «بسم الله الرحمن الرحيم» مكتوبة بالخطأ هكذا «الرحمان» بدلاً من «الرحمن»، والهدف إظهار أن الدولة المصرية عاجزة حتى عن كتابة كلمة سليمة في عبارة نرددها كل لحظة.

ثم اكتشفنا أن العبارة مكتوبة بصورة سليمة في مدخل العمارة أو البناية التي عرضها الفيديو. وهكذا عرفنا أيضاً أن ما حدث محض تزييف.

المزيفون لن يتوقفوا عن عملهم للأسف، طالما أن هناك من يخطط ويدفع لهم الكثير. السؤال المهم والدائم هو كيف نوقف هذه الشائعات؟

حائط الصد الأول هو مزيد من حملات التوعية ليس في مصر فقط، ولكن في كل البلدان العربية، خصوصاً أن العدو واحد.

نحتاج لرفع الوعي لدى الجميع خصوصاً البسطاء، الذين يميلون لتصديق ما يشاهدونه من دون قدرة على الفحص والنقد التشكيك.

على المجتمعات العربية بأكملها وليس فقط الحكومات خوض هذا الصراع. هو صراع طويل ومكلف ويحتاج لرؤية متكاملة. أول بنودها الرد على هذه الإشاعات بعرض الحقائق والمعلومات الصحيحة أولاً بأول، والتوقف عن سياسة «الطناش»، التي ثبت أنها غير مفيدة، في عالم السوشيال ميديا.

رئيس تحرير جريدة «الشروق» المصرية

 

طباعة Email