حكاية الشاطر جونسون

الأصل في الديمقراطيات الليبرالية، أن يكون للاستفتاء الشعبي العام القول الفصل للتعامل مع القضايا الخلافية الكبرى، التي قد تطرأ بين يدي الاجتماع السياسي للأمة.

هذا ما أراده البريطانيون من وراء الاستفتاء على سؤال الخروج من الاتحاد الأوروبي (البريكسيت)، قبل ثلاثة أعوام وبضعة أشهر.

لكن الذي حدث، هو أن ذلك الاستفتاء أفضى تقريباً إلى عكس المراد منه، حتى ليصح الاعتقاد بأنه أضاف زيتاً تحت مرجل الحيرة المجتمعية في الإجابة عن هذا السؤال.

فور التصويت لصالح الخروج بأغلبية طفيفة جداً، لا تتعدي 51.9 %، آثر ديفيد كاميرون رئيس الوزراء المحافظ الانسحاب من المشهد بالاستقالة العاجلة. وحين فشلت تيريزا ماي ثلاث مرات في إقناع البرلمان بالموافقة على اتفاق الخروج، الذي عقدته مع بروكسل، كان مصيرها اللحاق بسلفها، ولعلها الآن منشغلة أكثر بواجباتها المنزلية.

قضية البريكسيت تحولت إلى معضلة معقدة. عطلت نتيجة استفتاء لا يجري إلا بشأن النزر اليسير من القضايا الفارقة، وأطاحت برئيسين للوزراء، وأحدثت صدوعاً في حزب المحافظين الحاكم، وصولاً إلى فصل أكثر من عشرين متمرداً على قرارات الحزب في مجلس النواب، ووضعت الجنيه الاسترليني على صفيح ساخن بين الهبوط والصعود، على خلفية توقعات اقتصادية تميل إلى التفاؤل تارة، وإلى التشاؤم تارة أخرى.

القضية عموماً حشرت البريطانيين في نفق لا يعرف له آخر من الجدل والتناظر، حول المآلات العاجلة والآجلة، ومعادلات الربح والخسارة، التي سوف تعود عليهم جراء مغادرة التجربة الاتحادية القارية، باتفاق أو بدون اتفاق مع بروكسل.

وقبل ذلك وبعده، جعلتهم يتساءلون مجدداً عن جدوى المغادرة، وما إن كانت المعلومات المتاحة راهناً، والتي أتيحت من قبل، حول البريكسيت، تسمح لهم باتخاذ الموقف الصحيح، ومن هي الجهات المستفيدة حقاً من خلف هذه اللجة أو «الأحجية» التي وقعوا فيها؟!

في غمرة هذا الاستعصاء، جاءت إطلالة رئيس الوزراء بوريس جونسون، بحيثية نحسبها صاخبة وزاعقة بعض الشيء. ذلك أن الرجل تصور أنه سيأتي بما لم تستطعه الأوائل، فيخلص المجتمع من رهاب القضية وأراجيفها، في فترة قياسية، لا يتعدى سقفها نهاية أكتوبر المقبل.

وبصيغة خطابية شعبوية، أعلن أنه عقد العزم على تطبيق خيار الخروج من الاتحاد إياه، حتى وإن تم ذلك بدون اتفاق مع بروكسل، وأكد رفضه المطلق لفكرة إعادة الاستفتاء على هذا الخيار.

والأهم أنه روّج لإجراء الانتخابات العامة، معتبراً أنها ستؤدي إلى تعزيز جبهة أنصاره، وإضعاف المناوئين للاتجاه الوحدوي الأوروبي بعامة، والمصممين على البريكسيت بعد الاتفاق المسبق مع بروكسل بخاصة.

تفسير هذا التنمّر، يقع في السيرة الذاتية لجونسون، على الصعيدين الذاتي الشخصي من جهة، وخلفيته الفكرية والسياسية من جهة أخرى. فهو، كما يقول شراح سيرته «عنيد وطموح ومراوغ، ومن دعاة التفوق، ويكاد أن يحاكي الرئيس الأمريكي ترامب في مواقفه، لا سيما لجهة هوسه ضد المهاجرين، وإيثاره لمساندة إسرائيل. وكان من المبادرين قبل عشرة أعوام إلى دعوة الخروج من منظومة الاتحاد الأوروبي، بزعم أنه يحرم بريطانيا من سيادتها».

ولأن مسألة البريكسيت أخطر من أن تعالج على أساس النوازع الهوجاء، ولأنها تدور في مجتمع ديمقراطي له تقاليده في لجم أصحاب هذه النوازع، فقد ظهرت أمام بوريس مجموعة من الصعاب والقيود العاطفة على فرملته، ووضع العصي في دواليبه، ومنها نجاح معارضيه في الحيلولة دون إجراء الانتخابات المبكرة، وسن قانون يلزمه بتمديد أجل الخروج من الاتحاد إلى ما بعد نهاية أكتوبر، إن لم يتمكن من إبرام اتفاق مع بروكسل.

وفي خطوة نادرة، صوت بعض أعضاء حزبه لغير صالحه، وبلغت التعقيدات أمامه أوجها، حين استقال شقيقه جو جونسون من الحكومة، عوضاً عن مساندته وشد عضده.

يعرف البريطانيون بحنكتهم السياسية وخبراتهم الدبلوماسية والتفاوضية، التي لا تبارى، سواء تجاه بعضهم البعض، وهم يعالجون قضاياهم الداخلية، أو مع عوالم الآخرين في طول المعمورة وعرضها.

لكن الظاهر أن القوم فقدوا هذه الميزات، ولم تسعفهم فنونهم، إزاء صلابة الاتحاديين الأوروبيين في الدفاع عن تجربتهم الفذة. وأغلب الظن أن السيد بوريس جونسون ومحازبيه من القوميين القدامى والجدد في لندن، يخوضون معركة خاسرة، وربما كان منصبه من ضحاياها، على غرار ما حدث مع سلفيه كاميرون وماي.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات