في معنى التاريخ

لا توجد رابطة إطلاقاً بين «فرديناند ديليسبس» و«روبرت إي لي»، الأول دبلوماسي فرنسي، والثاني قائد عسكري أمريكي، إلا أن كلاً منهما عاش في القرن التاسع عشر.

ولكن المؤكد أن أياً منهما في حدود ما أعرف لم يعرف الآخر. الأول كان الرجل الذي أنشأ قناة السويس في عام ١٨٦٩، وهي التي غيّرت الجغرافيا المصرية، وجغرافية العالم. في هذا العام تحديداً وقبل أربع سنوات في ١٨٦٥ كان «روبرت لي» قد تمت هزيمته في الحرب الأهلية الأمريكية التي كان دوره فيها أنه كان قائداً لجيوش الجنوب، أو الكونفيدرالية الأمريكية التي ضمت سبع ولايات فعلية، وممثلين لولايتين أخريين هما «كنتاكي» و«ميسوري»، وهي الولايات التي كانت مستمرة على نظام العبودية.

«ديليسبس» لم ينته مستقبله المهني مع افتتاح القناة، وإنما عادل قصة نجاحه قصة فشل أخرى عندما حاول حفر قناة بنما التي منعت الأمراض من الملاريا وغيرها استكمال الحفر. فيما بعد قامت الولايات المتحدة بشرائها وحفرها في عام ١٩١٤.

ولكن كلاهما جمعتهما علاقة غير منظورة مع التاريخ، الأول سبب في مصر خلافاً حول وضع تمثاله على منصته في مدخل قناة السويس؛ والثاني الذي انتشرت تماثيله في الولايات المتحدة وخاصة ولايات الكونفيدرالية، ولكن شهدت السنوات الأخيرة خلافات حادة حول مطالبة أمريكيين، من البيض والسود، بضرورة رفع تماثيله من الميادين العامة.

حجة المعترضين على وضع تمثال ديليسبس في مدينة بورسعيد المصرية أن الرجل أولاً فرنسي، وأن حفره لقناة السويس كان لأهداف استعمارية، وأن النظام الذي اتبعه في حفر القناة كان قائماً على السخرة، ما أدى إلى وفاة ١٢٠ ألف مصري.

الداعين إلى وضع التمثال لم يختلفوا على ما يذكره المعترضون، ولكنهم يضيفون أن كل ذلك جزء من التاريخ المصري الذي لا يمكن تجاهله، وأن وظيفة التماثيل هي أن تجعل التاريخ حاضراً للأجيال الجديدة. وفضلاً عن ذلك فإن ديليسبس كان جزءاً من رسالة التنوير التي جاءت إلى مصر مع الحملة الفرنسية التي كان لها أهداف استعمارية نعم، وقاومها الشعب المصري نعم، ولكنها كانت من جانب آخر مهدت لديليسبس لكي يحفر القناة التي أعطت لمصر الكثير.

كما مهدت لشامبيليون أن يفك أسرار اللغة الهيروغليفية ومن ثم معرفة تاريخ مصر القديم، بقدر ما أعطت لمصر القائمة آنذاك من خلال كتاب «وصف مصر» الذي لم يترك لا كبيرة ولا صغيرة إلا وسجلها لكل الأجيال المصرية المقبلة التي عليها أن تتعرف وتتذكر كل ما ألم بوطنهم بحلوه ومره.

«روبرت لي» هو الآخر واجه معضلة مماثلة لأنه فجأة بات جزءاً من قضايا الصراع بين البيض والسود الذي رغم انتهائه عملياً مع الحرب الأهلية في ستينيات القرن ١٩، وقانونياً مع قانون الحقوق المدنية في ستينيات القرن ٢٠، فإنه ما زال جارياً بأشكال أخرى بعضها عنيف، وبعضها الآخر له علاقة بالرموز التي من بينها تماثيل وأسماء شوارع الجنرال الراحل. ا

لمعترضون يرون أنه ليس من الجائز تخليد الجنرال الذي قتل جنود وضباط الشمال المحاربين من أجل إنهاء العبودية، كما أن الرجل نفسه كان مالكاً للعبيد، وفوق ذلك أنه كان عنصري النزعة.

ومرة أخرى فإن المتمسكين بالتماثيل وأسماء الشوارع لا يختلفون بالضرورة مع هؤلاء، ولكنهم مرة أخرى يرون وجود التماثيل جزءاً من التسوية التي جرت بعد الحرب لكيلا يشعر الجنوبيون بالمهانة ومرارة الهزيمة. وكذلك فإن الرجل لم يكن استثناءً من المؤسسين الأوائل للدولة الأمريكية الذين كانوا ملاكاً للعبيد.

والأهم من ذلك كله أن هذه التماثيل هي التي تخلد ليس لجنرال وإنما للحرب الأهلية التي فقدت فيها الولايات المتحدة من الجنود والضباط والمدنيين ما هو أكثر من كل ضحايا الحروب التالية مجتمعة. الحرب الأهلية، هكذا يمضي المؤيدون لبقاء الحال على ما هو عليه، هي جزء أساسي من التاريخ الأمريكي ليس فقط لما جرى فيها من تدمير لمدن وقتل لبشر، وإنما لأنه منها بدأت عملية إزالة العبودية، وتعديل الدستور الأمريكي الذي بات أساساً بعد ذلك لإزالة العنصرية. التماثيل وظيفتها ليس تخليد حال بقدر ما هي أحياناً للتذكير بأن ما جرى لا يجب أن يحدث مرة أخرى!

Ⅶ كاتب ومحلل سياسي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات