قبل أن تسبقنا الروبوتات

مع وصول تطبيقات وتقنيات الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة التطبيق الفعلي في العديد من المجالات والقطاعات، أصبح من الخطر أن نسير نحن كبشر بهذا البطء، فيوماً بعد يوم ستزداد تأثير الاختراعات الحديثة في مجريات الأمور، وسيأتي اليوم الذي تحل الروبوتات محل الكثير من القوى العاملة، خصوصاً في بعض الأعمال المكتبية البسيطة، أو حتى المعقدة منها مع قادم الأيام، وهذا أمر حتمي، سنصل إليه يوماً ما، عاجلاً أو آجلاً، سواء قبلنا أو لم نقبل!

إن السرعة التي تمضي بها هذه التكنولوجيا الحديثة مخيفة جداً، والتطورات التي نشهدها كل يوم تكاد تقول لنا بأننا على أعقاب نقلة نوعية من التطور التكنولوجي، التي ستزيح عن طريقها كل ما يعيقها ومن يتأخر عنها، بل ستحل محل كل إنسان يعتبر نفسه ذكياً، ولديه شهادة جامعية يستند عليها ليجلب قوت يومه، أو يمضي في رسم مخطط حياته العملية، فالدراسات المعنية بهذا الشأن، تؤكد أن الكثير من الوظائف ستنحصر ضمن نطاق ومهام الروبوتات في قريب السنوات، فأين المفر؟، وكيف نسرع لنسبق تلك الروبوتات؟.

ربما استغرب الكثيرون بعد أن قامت إحدى القنوات العالمية ببث نشرة إخبارية يقدمها أحد الروبوتات، نيابة عن مقدم الأخبار، وبلغة وطريقة محترفة، والصوت الخارج من هذا الروبوت ليس مسجلاً من قبل، بل عن طريق محاكاة يستطيع من خلالها الروبوت قراءة الأخبار، كما لو كان مقدم أخبار محترفاً.

وهذا التطور ليس وحده ما شاهدناه مؤخراً، بل طورت إحدى الشركات روبوتات قادرة على القيام بجميع أعمال البناء، بما فيها أعمال الديكور، التي كنا نعتقد أنها صعبة على الروبوتات، لما تحتاجه من حرفة إنسانية، والقائمة تطول في عوالم دخول الروبوتات إلى الكثير من المجالات، وتطورها السريع لتحاكي عقل الإنسان وحرفيته في الأداء.

الميزة الوحيدة التي تميزنا نحن البشر عن الروبوتات، هو المنطق، فالروبوتات حتى الآن تعتمد على برمجة مسبقة لمحاكاة أمر معين، لكن مع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي، وما يُعرف بتعليم الآلة، أصبح من الممكن أن نشاهد روبوتات قادرة على التحليل والاستنتاج، وبهذا ستتغلب علينا، لما لها من قدرات عالية في الحساب والذاكرة، وسنجدها قريباً تحلل السياسة وتكتب آراءها الاقتصادية، بل تؤلف شعراً، كما فعلت من تأليف الموسيقى والرسم التشكيلي.

نحن هنا لسنا بصدد التخوف فقط، إنما لنبحث في كيفية الإسراع في تطوير أنفسنا، لنكون جزءاً من هذا المستقبل، ولا نخطئ كما أخطأ عمال المصانع إبان الثورة الصناعية، ودخول خطوط الإنتاج لتحل محل القوى العاملة، فالتحول التكنولوجي الذي نشهده اليوم، مشابه لتلك الحقبة، مع فارق نوعية التطور الذي نحن بصدده، في تلك الفترة لم تكن العقول منفتحة ومطلعة على مستقبلها كما نحن عليه اليوم.

فأكاد أجزم أن أبسط بسيط بات اليوم على علم بالكثير من المجريات التي تدور في أقصى بقاع الأرض، وذلك بفضل الإنترنت، ولهذا من المنطق أن نواجه مستقبلنا، ونستعد له ولتطوراته قبل أن تسبقنا الروبوتات!

المستقبل ينتظرنا بالكثير من الفرص، بالكثير من الأمور التي نستطيع من خلالها بناء أمجادنا ونتفوق بها على الروبوتات، فخلال السنوات القادمة، نحن البشر من سنُعلم هذه الروبوتات، ونحن من سنصنعها ونطور إمكاناتها، نحن من سنبرمجها لتخدم تطلعاتنا، ولهذا علينا أن نكون جزءاً من هذا المستقبل، جزءاً من تطوير الروبوتات وبرمجتها وصناعتها.

فكما طوعنا جيل الحاسوب الأول والإنترنت لتخدم تطلعاتنا، بعد أن خاف البشر من أن تحل الكمبيوترات محلهم، وقد حلت بالفعل، لكن فتحت معها ملايين الفرص، صحيح أن ساعي البريد فقد وظيفته، لكن ملايين البشر وجدوا فرصاً أكبر من دخول عالم الكمبيوتر، واليوم علينا أن نطوع الروبوتات لتخدم مصالحنا، ونستغل تطورها لنصنع مستقبلنا.

الروبوتات لن تنافسنا في الابتكار، مهما تطورت، وسيبقى هذا هو الباب الذي سيجعلنا نتقدم عليها في كل مرة، فنحن البشر قادرون على تطوير الموجود، هذا ما جبلنا عليه وسنبقى، ولهذا علينا أن نؤسس أجيالنا على مفاهيم الابتكار، أن نُعَلِّم عقولهم كيف تجد فرصتها وسط هذا الكم الهائل من التعقيدات، أن نرتقي بفكرهم ليستوعبوا ما ينتظر مستقبلهم، ليكونوا جزءاً من المستقبل، لا جزءاً من الحاضر.

الروبوتات ستجد طريقها في أن تحل محل الكثيرين، ولكن هناك الأكثر ممن سيطوعون إمكاناتها لتعمل بدلاً عنهم، وسينعمون هم بنتاج أعمالها، هناك من سيخترعها وسيستفيد من هذه الاختراعات، هناك من سيتعلم صيانتها، ويصبح رائداً في إصلاح أعطالها، وهناك بالطبع من سيتعامل معها ويعتبرها جزءاً من منظومة عمله، تسهل عليه الكثير من المهام، لتترك له المجال في أن يبتكر أكثر، وأن يفكر بشكل أوسع، هذه فرص المستقبل، فلنسبقها قبل أن تسبقنا.

Ⅶ كاتب وإعلامي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات