العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    تأجيل المعارك!

    لفت نظري ذات يوم مانشيت صحيفة ذكر فيه أن «الدولة الفلانية والدولة الفلانية تؤجلان الحرب»، وذلك على خلفية قيام الثانية بالاعتداء على الأولى.

    هناك مصطلح شهير يصدر عندما يقع عدوان خارجي عسكري فتقول الدولة المتضررة «نحتفظ بحقنا في الرد». وكمتابع للنزاعات والسياسة من جنوب أمريكا حتى أقاصي آسيا، كثيراً ما أسمع هذا المصطلح. فتجد بالفعل أن دولاً اختارت التوقيت المناسب للإضرار بالجانب المعتدي.

    وهذا التصريح ليس ضعفاً بالضرورة فقد لجأت إليه دول قوية، لكنه في الواقع تكتيك حكيم. وهناك حروب انطلقت ساعة الصفر فيها بعد ردح من الزمن، بالاستناد إلى عنصر المفاجأة. والهدف أن يحسن المتضررون الاستعداد للحظة اندلاع المعركة.

    المعارك في الحياة ليست سياسية فحسب، فنحن نتعارك أو نتنافس في ميادين العمل والتجارة والحياة العامة. فتجد أن كبريات الشركات تتحين الفرصة المناسبة للنيل من منافستها حتى تنجح في أخذ أكبر حصة سوقية منها أو تحاول إخراجها من حلبة السباق إلى غير رجعة إما بتخفيض الأسعار أو بناء تحالفات أو الإقدام على اندماجات كبرى تماشياً مع روح التنافس الشريف.

    ليس من الحكمة الرد الفوري على الإساءة لأنه عادة ما يكون محملاً بتأثير العاطفة. فبعدما تحط الحرب أوزارها يعض الناس أصابع الندم. ولذا كان من الحكمة التروي في الرد.

    والسؤال هو لماذا لا نؤجل المعارك؟ فحتى الناقة تؤجل معركتها، فتنتقم ممن وكزها، بل وتنتظر اللحظة المناسبة لتؤدبه ولو بعد سنوات عدة. فجرح الناقة عميق وذاكرة الإساءة كذلك. ولأنه شتان ما بين عقل الكائنات الحية والإنسان، فمن باب أولى أن نُعمِل عقلنا ونختار التوقيت والرد المناسب لنسجل موقفاً، أو ننافس، أو نهزم، أو نتفوق على خصومنا.

    وتحقيق المزيد من النجاحات هو أفضل انتقام في معاركنا مع الآخرين. فالإنجاز يلجم كل من يحاول أن ينتقم منها، وحبذا لو كان النجاح من جنس ما كان سبباً لتلك الخصومة أو المعركة. والتاريخ التجاري يزخر بقصص عدة لمنتجات وخدمات ضربت فيها كبريات الشركات منافستها بالضربة القاضية.

    فمن كان يشكك في نجاح ستاربكس، التي كانت تبيع مجرد بن مطحون في سياتل، لا يكاد يصدق أنها صارت تفتتح يومياً فرعاً جديداً في الصين، كما قال مؤسسها الملهم هوارد شولتز في مقابلة تلفزيونية، ولما تمكن هوارد أخيراً من تحقيق حلمه بفتح ستاربكس في عقر دار رواد القهوة، ميلانو، التي أخذ منها فكرة «الكوفي بار» التي أذهلته ولم تكن حينها موجودة أصلاً في يوميات الأمريكان.

    وقد قاوم الإيطاليون بشتى الطرق دخول ستاربكس أسوار بلادهم، إلا أنه نجح العام الماضي باختراق تاريخي عندما قدم مقهى أو بالأحرى متحفاً تفاعلياً للقهوة ليس له نظير في العالم كله، الأمر الذي أبهر الإيطاليين أنفسهم.

    وقد جلس هوارد نحو ثلاثة عقود حتى يثبت للعالم وللإيطاليين أنه بعد أن جاب العالم فإنه سوف يستطيع أن يتقاعد بعد أن اخترق «معقل القهوة» العالمية، إيطاليا. وهذا دليل على أن نجاحنا ليس مرهوناً دائماً بسرعة الرد، ربما يأخذ الأمر زمناً طويلاً لنتفوق على كل من كان يحاول أن يضع العصا في دولاب تقدمنا.

    وهذا مؤشر على أن النجاح التجاري قد يتفوق في نهاية المطاف. وكذلك النجاح الاقتصادي والسياسي للبلاد وحسن العلاقات ربما يفوق الصواريخ طويلة المدى إذا تحلت البلاد بالنفس الطويل. وكذلك الحال على الصعيد الشخصي فكم من شخص عَرض به القاصي والداني ثم قرر أن يؤجل المواجهة حتى يحقق نجاحاً يشار إليه بالبنان. وإذا ما شهد لك خصومك بنجاحك فهذا دليل صارخ على تفوقك وحسن إدارة المعركة.

     كاتب كويتي

     

    طباعة Email