ترامب وغرينلاند

المؤكد أن سعي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى شراء جزيرة غرينلاند الدنماركية ليس مزحة أو من منطلق عقاري، كما يصوره البعض، لأن توقيت الطرح الأمريكي وطبيعة التعقيدات الجيوسياسية سواء في أوروبا أو آسيا تقول إن غرينلاند سيكون لها مكانة استراتيجية في صراع الكبار، فما هي التصورات الأمريكية للجزيرة؟ وهل الرفض الدنماركي للعرض الأمريكي نهائي؟ ولماذا ترفض الصين شراء الولايات المتحدة للجزيرة رغم أن بكين بعيدة للغاية عن موقعها؟

ليس العرض الأول

الثابت أن عرض ترامب ليس الأول من نوعه، فقد سبقه الرئيس السابع عشر للولايات المتحدة أندرو جونسون، الذي تقدم بعرض لشراء الجزيرة عام 1867 والتي تم اكتشافها عام 882 م وتعد أكبر جزيرة في العالم بمساحة 2 مليون كيلو متر، ووفق وثائق الخارجية الأمريكية فإن الولايات المتحدة كانت ترى الجزيرة بمثابة خزان كبير للمعادن والمواد الأولية، التي يمكن للولايات المتحدة الاستفادة منها في المستقبل، وكان هذا التفكير الأمريكي المبكر لشراء غرينلاند يتفق مع الاستراتيجية الأمريكية في ذلك الوقت بشراء المساحات الواعدة، ونجحت واشنطن بالفعل في شراء ولاية لويزيانا من فرنسا بـ15 مليون دولار عام 1803، وولاية ألاسكا من روسيا بـ7.5 ملايين دولار 1867عام، وجزر الأنديز الغربية الدنماركية والتي يطلق عليها الآن جزر فيرجن عام 1917، وفي بداية القرن العشرين حاولت الولايات المتحدة استبدال غرينلاند بأراضي من ألاسكا، وفرضت واشنطن الحماية الأمريكية على جزيرة غرينلاند عندما استولى هتلر على الدنمارك عام 1940، وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية تقدمت واشنطن بعرض رسمي لشراء الجزيرة بـ100 مليون دولار مع بداية الحرب الباردة عام 1946.

لماذا الآن؟

التقديرات الأمريكية تقول إن روسيا أصبحت متفوقة عسكرياً خاصة في الجزء الشرقي من حلف الناتو الذي يضم أوروبا الشرقية ودول بحر البلطيق الثلاث، وأن الصاروخ الروسي «ssc8» الذي يحمل رؤوساً نووية يستطيع قصف العواصم الأوروبية الكبيرة مثل باريس وبرلين، وفي ذات الوقت خرجت تظاهرات كبيرة في دول أوروبية عندما كشفت الجمعية البرلمانية للاتحاد الأوروبي عن نشر واشنطن لقنابل نووية من طراز بي 61، ولذلك ترى الإدارة الأمريكية أن جزيرة غرينلاند البعيدة عن المناطق المأهولة في الدول الأوروبية، والتي تضم 57 ألف نسمة فقط، المكان المثالي لنشر منظومة الصواريخ الأغلى سعراً في العالم «ثاد» حتى تواجه الصواريخ الروسية المتمركزة في غرب روسيا والغواصات الروسية القريبة من المحيط المتجمد الشمالي، وربما خير دليل على دقة هذا الطرح هو تزامن العرض الأمريكي لشراء غرينلاند مع الانسحاب الأمريكي من اتفاقية الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى في 2 أغسطس الماضي، ورغم وجود محطة رادار أمريكية في الجزيرة، إلا أن الولايات المتحدة تسعى من خلال منظومة «ثاد» إلى التغطية الدفاعية لشمال وشرق أوروبا وأملاك حلفائها في المحيط المتجمد الشمالي، ولذلك سيظل خيار استئجار جزء من غرينلاند لإقامة قواعد ومخازن للصواريخ والقنابل الأمريكية، هو الخيار البديل للرئيس ترامب في حال الرفض النهائي لبيع الجزيرة لواشنطن، التي قالت إن رفض العرض الأمريكي جاء من الحكومة الدنماركية وليس من حكومة الحكم الذاتي أو أبناء الجزيرة، الذين انضموا للدنمارك منذ عام 1957 فقط، كما أن شكوى البحرية الأمريكية من زيادة نشاط الغواصات الروسية، كما أن إنشاء روسيا لعدد من القواعد العسكرية الضخمة وإحياء عدد من القواعد التي أسسها الاتحاد السوفيتي، يضاعف من أهمية غرينلاند للاستراتيجية الأمريكية، ناهيك عن استشعار واشنطن أن موسكو لن تقدم أي مرونة في اتفاقية ستارت 3 التي يحل موعد تجديدها عام 2021، ويرفض الكونغرس الالتزام بها ما لم يكن هناك خطوات من الجانب الروسي، وترى واشنطن أن جزيرة غرينلاند هي المكان المثالي لنشر الصواريخ الطويلة المدى في ظل الصراع مع الصين، التي ترى أن لها حقوقاً في بعض المناطق بالمحيط المتجمد الشمالي.

مكاسب اقتصادية

وبعيداً عن الصراع بين واشنطن وموسكو وبكين، ترى الولايات المتحدة أن ثروات المستقبل تتركز في هذا الجزء من العالم، وبفضل البترول المستخرج من ألاسكا، تحولت الولايات المتحدة لمصدر صافِ للنفط، العام الماضي، وإن غريمتها روسيا تستخرج 30 % من إنتاجها من الغاز، و25 % من النفط من القطب المتجمد الشمالي، وأنه مع انحسار الجليد من غرينلاند، التي يسطع بها النهار لشهرين متتاليين، سيكون العائد منها أكثر بكثير من الـ600 مليون دولار، التي طرحها ترامب لشراء الجزيرة.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات