رهانات من أجل موسم جديد

بين الواقع والرؤية والمستقبل رهان على استراتيجية الفعل في صناعة المستقبل، ولعل من رهانات المنطق الحضاري أن يكون الحاضر مختبراً للمستقبل، وأن يكون المستقبل مختبراً للأفكار الحية، التي لا تتطلب ـ حسب فيورباخ ـ أكثر من فكر إنساني ولغة إنسانية من أجل إنسان المستقبل ومستقبل الإنسان، في صناعة الحضارة.

ومن هنا فإن الدول والحكومات التي ترتهن في خياراتها إلى فلسفة المستقبل، وفلسفة العمل قبل القول، هي التي تجعل من قراءتها لمفردات الواقع قراءة موضوعية تختبر في المسافة بين المنطلقات والأهداف، ومدى استجابة الأهداف لفعل التحقق في المختبر الاجتماعي وفي مختبر الناس.

بهذا المعنى وهذه الرؤية كانت رسالة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، التي أرادها أن تكون خطاباً واضحاً للحكومة قبل أن تكون خطاباً للناس، منطلقاً من حقيقة العقد الاجتماعي بين الحكومة والناس، لأن هذا العقد هو الذي يحدد قيمة القرارات، وهو الذي يحدد الرهان الحقيقي على الحاضر والمستقبل في تحقيق أحلام الناس، بل في صناعة المستقبل لأحلامهم، بل هو الذي يحدد طاقة الاستناد وطاقة الاستشراف المستقبلي، حسب برغسون، فالمجتمعات التي تستند إلى طاقة روحية أصيلة، راسخة، هي التي تمتلك طاقة أكبر على استشراف المستقبل، عبر الانسجام بين الرؤية والفعل.

وهذا ما أكده صاحب السمو في رسالته الأولى من مجموعة رسائله للمواطنين في مرحلة عمل جديدة، وفي موسم جديد، مبيناً أن المختبر الحقيقي للمسؤولين هو ميدان العمل بين الناس في كل مكان، لأنه يريد للمسؤولين أن يكونوا على تماس مباشر مع هموم الإنسان، وهموم المجتمع.

وبالتالي تصبح العلاقة أكثر استجابة للفعل الحكومي الحقيقي وليس للكلام، فالمرحلة مرحلة عمل، وليست مرحلة أقوال ومحاضرات وتنظيرات «مكان المسؤولين والوزراء والقادة هو الميدان، وليس في قاعات المؤتمرات وأروقة المنتديات التي تكاثرت واستهلكت الموارد وطاقات المسؤولين».

بهذا تصبح السمة الغالبة على الحكومة هي الإنجاز «نحن حكومة إنجازات ولسنا حكومة محاضرات.

نحن فريق من المنجزين وليس من المنظرين..»، هكذا تتوالى رسائل صاحب السمو على شكل ومضات فكرية وومضات فلسفية، تستجيب للرؤية الفكرية والعملية التي تتسم بها أفكاره، ورؤيته الاستراتيجية، حيث ينتقل في الرسالة الثانية بعد أن حدد سمة الحكومة وموقعها في المختبر الاجتماعي، إلى الحديث عن سمعة دولة الإمارات، وضرورة التنظيم في وسائل التواصل الاجتماعي، وتحديد المهام، وعدم الارتهان إلى الفوضى في العمل، ليضع تلك المهمة في رهانات مهمة وزارة الخارجية، التي يناط بها إدارة ملفات الدولة الخارجية والتحدث باسم الدولة والحكومة، والتعبير عن المواقف السياسية الخارجية للدولة، إضافة إلى «الحفاظ على 48 عاماً من رصيد المصداقية والسمعة الطيبة، الذي بنته الإمارات مع دول وشعوب العالم..».

فصاحب السمو يحدد الثوابت في عمل الحكومة، سواء في الداخل أو في الخارج، تلك الثوابت التي تختبر في العلاقة بين الحكومة والشعب، وبين دولة الإمارات وشعوب العالم، مرتهنة إلى إرث من المصداقية في كلتا الحالتين، لذلك كما يقول سموه «لن نسمح أن يعبث مجموعة من المغردين بإرث زايد، الذي بناه لنا من المصداقية وحب واحترام الشعوب».، لأن «صورة الإمارات والإماراتي لا بد أن تبقى ناصعة كما بناها وأرادها زايد».

وبعد أن يتحدث في رسالته الثالثة عن ملف التوطين التي يعد بالوقوف عنده وقفة جادة للمحاسبة والمتابعة وإصدار قرارات جديدة، يتحدث في الرسالة الرابعة عن الاقتصاد الإماراتي التنافسي، ولا يخفى على أي متابع ما حققته دولة الإمارات من نقلة اقتصادية على مستوى العالم، ما جعل منها دولة معيارية في قفزاتها الاقتصادية، عبر مسرعات العمل في كل المجالات، وهذا ما أكده صاحب السمو في رسالته الرابعة، «نحن دولة تسعى لتحقيق قفزات اقتصادية نختصر فيها الزمن.. نحتاج في الفترة المقبلة إلى مشاريع نوعية.. وأفكار استثنائية للدفع باقتصادنا نحو القمة»، حيث يحدد الرهان المستقبلي على الفكر الاستثنائي والمشاريع النوعية، التي تنسجم مع الرؤية الاقتصادية لدولة الإمارات التي تراهن في كل مشاريعها على المستقبل، وعلى انسجام مشاريعها مع الإنسان وأحلام الإنسان وسعادته الدائمة.

ولأن صاحب السمو يضع العمل الحكومي في مختبر الرؤية الاستراتيجية يعود في رسالته الخامسة إلى التأكيد على الهدف من وجود الحكومة وهو خدمة الناس، مؤكداً ضرورة التواصل والحوار بين الحكومة والناس، لأن هذه العلاقة هي التي تختبر مدى الثقة بين المؤسسات والناس، «فليس المهم سعة الموارد.. بل سعة القلوب وسعة الأخلاق..».

لتكون الرسالة الأخيرة كما عودنا صاحب السمو، وكما اعتاد الناس في كل مكان، وخاصة في دولة الإمارات، رسالة التفاؤل، الرهان الدائم في فلسفة صاحب السمو يقول سموه «أقول للجميع تفاءلوا فإن القادم أجمل وأفضل وأعظم.. نحن الدولة الأكثر استعداداً للمستقبل.. نحن الدولة الأكثر تنافسية في المنطقة.. نحن الدولة الأسرع نمواً في عدد المشاريع.. نحن الدولة الأكثر تقدماً في الإدارة الحكومية.. نحن الدولة الأفضل في تبني تكنولوجيا المستقبل.. والأهم من ذلك نحن دولة تملك الشجاعة لتواجه الحقائق وتراجع الحسابات وتعدل الاستراتيجيات بشكل مستمر للانطلاق بأقصى سرعة نحو المستقبل».

هذه هي دولة الإمارات العربية المتحدة، في رهاناتها وفي خياراتها وفي أفكارها ورؤاها ومشاريعها التي تختبر الحاضر في المستقبل، وتختبر الفكرة في الفعل، وتختبر الرؤية والاستراتيجية في الثقة بين الحكومة والناس، لأنها دولة تضع الإنسان في مقدمة رهاناتها وهي تصنع الحلم في الحاضر والمستقبل.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات