بنوك الكفاءات

في مقال سابق تحدثت عن بدائل عمل البنوك المالية في عصر المعرفة، وأفدت بأن الرأسمال القائم عليه عمل البنوك سيتحول من الرأسمال النقدي التقليدي إلى الرأسمال البشري، تبعاً لما يفرضه اقتصاد المعرفة من تحديثات، وتحدثت عن جانب من تلك البدائل، وهو العمل في حقول الابتكار والملكيات الفكرية.

في هذا المقال سأتحدث عن جانب أكبر من عمل البنوك المصرفية بعد عملية التحول الذي يفرضه اقتصاد المعرفة وهو جانب الكفاءات وتنمية المهارات.

تعتبر موجة الأتمتة أهم ثيمة يمكن ملاحظتها في عالم الأعمال والمهن في عصر المعرفة، وقد عرّفت الأتمتة في مقالات سابقة بأنها تحويل الصناعات والمهن والأعمال التقليدية التي تتدخل فيها القدرات البشرية إلى أعمال ومهن وصناعات لا تتدخل في إنتاجاتها تلك القوى البشرية، وإنما تعتمد في إنتاجها على تطبيقات الذكاء الاصطناعية الأوتوماتيكية، وهذا بدوره سيفرض اختفاء ملايين الوظائف من الوجود.

وسيفرض ذلك بدوره تحديث المنظومة التعليمية أولاً، ثم تحديث عمل الكثير من المؤسسات وتغيير توجهها بما يعزز ويخدم عصر واقتصاد المعرفة. وسيؤدي بالضرورة ذلك إلى ظهور أنواع جديدة من الأعمال والمؤسسات التي تعمل في سياقات هذه الأعمال الجديدة، ومن ذلك بنوك الكفاءات وتنمية المهارات.

ويمكن تعريف بنوك الكفاءات وتنمية المهارات بأنها شكل مؤسسي اقتصادي جديد يعتمد في أصوله المالية على تدريب وتأهيل وتنمية الرأسمال البشري والموارد البشرية التي يقوم عليها اقتصاد الدولة، ويمثل عماد دخلها الوطني.

وينقسم الجمهور المستهدف لهذا النوع من البنوك إلى فئتين الأولى عامة، وهي إجبارية في التحاقها ببرامج هذه البنوك، وتتبع القطاع الحكومي، حيث تقوم الحكومة بإيفاد موظفي مؤسساتها إلى هذه البنوك لتأهيلهم بما يناسب الخدمات الجديدة التي تفرضها سياقات العمل الجديدة في حقول اقتصاد المعرفة وعصرها، والثانية خاصة، وهي اختيارية في الالتحاق ببرامج هذه البنوك، حيث تتبنى بنوك الكفاءات وتنمية المهارات تدريب وتأهيل موظفي القطاعات الخاصة، وكذلك الأفراد اللامنتمين إلى أي جهات مؤسسية، بما ينفع اقتصاد الدولة وكل حسب تخصصه ليكون اندماج الأفراد في سوق العمل سهلاً بعد عملية التأهيل وقابلاً للاستيعاب في مؤسسات العمل.

إن تأهيل وتدريب الموارد البشرية هي مهمة رئيسة تضطلع بها الحكومات المنتهجة لاقتصاد المعرفة، لكن هذه العملية لا يمكن أن تتم إلا بشكل منظم، وهذا الشكل يمكن اختزاله في صورة بنوك الكفاءات وتنمية المهارات.

سيتحول عمل البنوك المصرفية كلياً نحو الاستثمار في الكفاءات بكل أشكالها سواء الكوادر والخبرات المختصة بالتأهيل أو مخرجاتها وثمار تدريبها وسيكون هناك تنافس واسع من حيث استقطاب تلك الكوادر والخبرات على صعيد عالمي تماماً كما يحدث في عالم الرياضة من تنافس واسع لاستقطاب المدربين ذوي الخبرة الكبيرة وأصحاب الكفاءة المشهود لهم عالمياً لتأهيل الفرق والمنتخبات الوطنية في الاقتصادات القائمة على المورد الرياضي.

أما بالنسبة للتخصصات التي ستحتويها البنوك تدريباً وتأهيلاً فهي ذات التخصصات التي سيفرضها اقتصاد المعرفة ومخرجاته الوظيفية أي أن الكفاءات التي سيتم إعدادها، سيتم إعدادها بما يتناسب مع اهتمامات الحكومة ومؤسساتها، وكذلك اهتمامات القطاع الخاص وأسواق العمل وما سيفرضه الجديد المحدث من مخرجات عصر المعرفة ومظاهر التكنولوجيا والأتمتة من أعمال وصناعات ومهن تناسب الموارد البشرية للعمل فيها.

هنا أيضاً احتواء لبنوك الكفاءات وتنمية المهارات لكل ما يمكن احتواؤه من مجالات يمكن أن تثمر فيها الموارد البشرية، وستسعى هذه البنوك بتأهيل الكادر البشري فيها إلى أعلى المستويات، وحتى لا يشكل الإنسان أي عبء أو عائق على مظاهر عصر المعرفة أو ازدهارها، بل يكون رافداً مهماً وشريكاً فاعلاً في عملية التنمية المستدامة وشرطاً رئيساً من شروط تحقيقها. وللحديث بقية.

طباعة Email