اقتصاد المعلومات (3)

كان لابد من مقال ثالث يتبع المقالين السابقين اللذين تحدثت فيهما عن اقتصاد المعلومات، وهنا سنتناول تفاصيل أكثر عن الاقتصاد القائم على المعلومات. يمكن القول، إن المعلومات قد أخذت ثلاثة أشكال منذ بدء الخليقة، وأما الأول فقد استلهمت فيه المعلومات لتأويل وتفسير الظواهر من الأشكال البدئية للحكاية الخرافية والأسطورية والشعبية التي عرفها الإنسان منذ القدم، وهو يمثل الشكل التقليدي للمعلومات، وأما الثاني ويمثل الشكل الحداثي فقد استلهمت فيه المعلومات من التصورات المؤسسية القائمة على تعدد مجالاتها، وهذا الشكل تأتي فيه المعلومات وتتدفق لتفسير كل شيء بناء على التراكم المعرفي الإنساني عبر التاريخ، وأما الثالث فيمثل الشكل الما بعد حداثي، ويعتمد على ابتكار المعلومة لتفسير ظواهر كل شيء؛ بمعنى أنه يعتمد على عقل الإنسان وإبداعاته، ويتمرد على الشكلين التقليدي والحداثي، ويواكب التكنولوجيا في طريقة استنباطه واستخراجه للمعلومات.

ويسير النمط الثالث الما بعد حداثي ضمن ثلاثة مسارات، الأول يستخدم المعلومة ويحوّلها إلى سلعة للربح، والثاني يقوم بتحويل المعلومات إلى سبيل اجتماعي ومادة للتواصل الحر الشفاف بين مختلف الجماعات الإنسانية، حيث يتم تفسير الأشياء بناء عليه، وهو عادة يتكون من وعي جمعي. وأما المسار الثالث فهو يتمرد على الشكلين السابقين فيعتبر أن الأول يكرس للسلطة وامتلاكها من قبل الشركات والمتحكمين بالمعلومات، والثاني يكرس لخلق حكايات وهمية يصعب تصديقها، ولذلك فهو يتبنى براغماتية تنشد الحقيقة فقط، وتبتعد عن الأوهام التي هي في العادة رديف للسلطة والقمع أو هي أدواتها لمصادقة الجماعة الإنسانية على ذلك الوهم الذي تروّج له.

ولعل الحديث عن المسار الأول الذي يسير فيه النمط الثالث الما بعد حداثي وهو مسار استخدام المعلومات وتحويلها إلى سلعة للربح يتطلب الحديث عن مجتمع المعرفة وعن متطلبات تأهيل البنى التحتية للمجتمعات المعرفية بما يكفي ليكون فيها من الوعي الذي يسمح بأن تصبح المعلومات في مجال التسليع والربح.

تحتاج المجتمعات التي تنوي التحول نحو اقتصاد يقوم على المعرفة إلى خمس آليات ومراحل لابد منها لتنهض في هذا الاقتصاد بالشكل المطلوب، وهي توليد المعرفة ونقل المعرفة وإدارة المعرفة ونشر المعرفة واستثمار المعرفة، بالإضافة إلى المسرعات والحاضنات الابتكارية.

عبر هذه المراحل الخمس يمكن لأي مجتمع أن تصبح فيه المعلومات لها قيمة، خصوصاً وتسليع المعلومات والربح من ورائها مرهون بتطور عقليات أبناء المجتمع ومعرفتهم وتخصصهم في صنوف المعارف والعلوم، لإن ذلك فقط ما يسمح بتجاوز حالة المعلومات التقليدية المستهلكة المستلهمة من الخرافات والأساطير لتفسير الظواهر والأحداث، وكذلك المعلومات الحداثية التي تتبناها المؤسسات بمختلف مجالاتها وأنواعها وتروّج لها في سبيل تبني الجماعات الإنسانية لها في تفسير الظواهر والأحداث حتى ولو كانت وهمية في معظمها، وصولاً إلى حالة المعرفة الصحيحة والخالصة التي يصبح للمعلومة فيها قيمة حقيقية لها ثمن حقيقي بدون ارتكاز على القديم الغابر أو على الوهم السائد، بل على الابتكار العلمي للمعلومات في مختلف المجالات، لأن هذا هو السبيل الوحيد ليكون هناك اقتصاد معرفي حقيقي لأي مجتمع، يغني عن أي موارد أخرى سواء كان لها وجود أو لم يكن.

إن المستقبل هو لبنوك المعلومات بلا شك، وهو ما لا بد من الوقوف عليه في مقال مقبل. وللحديث بقية.

* مستشارة اقتصاد المعرفة

طباعة Email