ترامب وإسرائيل وانتخابات الرئاسة

رسالتان بعثتهما واقعة رفض إسرائيل السماح لاثنتين من أعضاء الكونغرس الأمريكي بزيارة الضفة الغربية. أولاهما: أن سياسة ترامب الخارجية هدفها الأول والوحيد إعادة انتخابه، وثانيتهما: أن التاريخ سيذكر حكومة نتانياهو باعتبارها الأولى تاريخياً التي قوضت الإجماع الحزبي بخصوص إسرائيل في واشنطن.

حينما طلبت عضوتا الكونغرس، رشيدة طليب وإلهان عمر زيارة الضفة الغربية، أعلنت إسرائيل، أول الأمر، وعلى لسان سفيرها في واشنطن، رون ديرمير، أنها «بدافع من احترام الكونغرس الأمريكي والتحالف الإسرائيلي الأمريكي العظيم، فإننا لن نمنع أي عضو بالكونغرس من دخول إسرائيل».

لكن بعد أن تعرضت حكومة نتانياهو لضغوط مباشرة من الرئيس الأمريكي لمنع النائبتين، عادت حكومة نتانياهو ورفضت رسمياً دخولهما. ورغم التفاصيل الكثيرة التي انطوت عليها القصة، إلا أن دور ترامب كان الأكثر دلالة. لعلها المرة الأولى، في حدود علمي المتواضع، التي يطلب فيها الرئيس الأمريكي بنفسه من دولة أخرى رفض استقبال رموز إحدى مؤسسات الحكم الأمريكية.

والسابقة التي لا تقل دلالة، كانت السبب الذي ساقه ترامب من وراء موقفه.

فهو قال إن «سماح إسرائيل» لهما بالدخول، سيكون بمثابة «علامة ضعف» مؤكداً لاحقاً أنهما «تكرهان إسرائيل». وهي سابقة تفتح الباب لمختلف الدول لقبول زيارات المسؤولين الأمريكيين بناءً على موقفهم من بلادهم.

ولعل السابقتان معاً هما السبب وراء الإدانات الواسعة التي قوبل بها قرار إسرائيل بمنع دخول النائبتين، التي ركز أغلبها على ما يمثله القرار من إهانة للمؤسسة التشريعية الأمريكية، الكونغرس.

فكان ذلك هو المعنى الذي انطوت عليه إدانة مرشحتي الرئاسة إليزابيث وارين وكامالا هاريس، فضلاً عن عدد من أعضاء الكونغرس الديمقراطيين والجمهوريين على السواء.

لكن لعل الإدانة الأقوى كانت تلك التي جاءت من مرشح الرئاسة، اليهودي الأمريكي، برني ساندرز وانصبت، هي الأخرى، على اعتبار تلك الواقعة إهانة للمؤسسة التشريعية.

فهو قال «إذا كان بنيامين نتانياهو (وحكومة إسرائيل) لا يريد زيارة أعضاء الكونغرس لبلاده ليروا بأنفسهم ما يجري هناك، فبإمكانه أن يعتذر عن قبول مليارات الدولارات التي نمنحها لإسرائيل».

لكن الأهم من ذلك كله هو الدافع الحقيقي لدى ترامب من وراء اتخاذ ذلك الموقف. فهدفه ببساطة هو كسب نقاط في معركة إعادة انتخابه رئيساً لفترة ثانية. فخطابه المعادي للنائبتين يستميل قطاعاً من قاعدته الانتخابية معادياً لغير البيض والمهاجرين. وخطابه المتماهي مع إسرائيل يستميل قطاعاً آخر هو اليمين الأصولي المسيحي.

لكن المفارقة هي أن مثل ذلك الخطاب له نتائج غير محسوبة. ترامب بعد أن أكد أن النائبتين «هما واجهة الحزب الديمقراطي» أعلن أن اليهود الأمريكيين الذين يعطون أصواتهم للحزب الديمقراطي إما «جهلة أو معدومي الولاء».

والحديث عن «ولاء» اليهود قوبل فوراً بإدانات واسعة من جانب كبرى المنظمات اليهودية الأمريكية، التي اتهمت الرئيس باستخدام تعبير «موغل في معاداة السامية» لأنه أحد تنويعات خطاب «الولاء المزدوج» الشهير.

أما الدلالة الثانية لاستجابة حكومة نتانياهو لضغوط ترامب، فهي أنها تمثل نقطة أعلى في سلسلة من المواقف التي يتخذها نتانياهو منذ فترة طويلة تنحاز علناً لمواقف الجمهوريين وتستعدي الديمقراطيين.

وقد صدرت أكثر من مرة تحذيرات من المنظمات اليهودية الأمريكية بل وأعضاء الكونغرس الديمقراطيين من أنصار إسرائيل، لحكومة نتانياهو تطالبها بعدم تحويل إسرائيل إلى قضية حزبية في أمريكا. إسرائيل تمتعت على مدى عقود بإجماع حزبي يضمن مصالحها سواء تولى الديمقراطيون أم الجمهوريون مواقع السلطة.

لكن رغم تلك التحذيرات المتتالية تظل حكومات نتانياهو المتعاقبة هي المسؤولة عن إحداث تراكم صار يضع إسرائيل اليوم، أكثر من أي وقت مضى، في خانة الحزب الجمهوري الأمريكي. المفارقة هنا هي أن أكثر من ثلثي اليهود الأمريكيين يعطون أصواتهم دوماً للحزب الديمقراطي، لا الحزب الجمهوري.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات