ارتفاعات مقلقة في درجات الحرارة

«وفقاً لأحدث البيانات الصادرة عن مركز المناخ التابع للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية يعد شهر يوليو المنصرم مساوياً إن لم يكن متجاوزاً لأكثر الأشهر سخونة في التأريخ المسجل».

بهذه الكلمات يدق الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس ناقوس الخطر وهو يتحدث في مؤتمر صحافي في الأول من أغسطس الجاري عن أهمية قمة العمل المناخي المقبلة للأمم المتحدة المزمع عقدها في نيويورك في سبتمبر المقبل.

باتت آثار التغيرات المناخية واضحة لدرجة تتطلب جهوداً دولية طارئة ومسؤولة لمواجهتها، فهناك ارتفاع ملحوظ بشكل مقلق في درجات الحرارة، لعل أبسط المؤشرات عليها زيادة عدد الوفيات في المدن الأوروبية في فصل الصيف. إلا أن هناك مؤشرات أكثر أهمية وخطورة من ذلك بكثير على المستويات الإقليمية والعالمية وعلى مستقبل الحياة في كوكب الأرض.

موجات الحر الشديد الأخيرة التي ضربت أوروبا أذابت كميات هائلة من الغلاف الجليدي الذي يغطي جزيرة غرينلاند ثاني أكبر خزين للجليد في الأرض بعد القطب الجنوبي، فخلال أسبوعين فقط من الشهر الذي ذكره غوتيريس ذاب مليارا طن من هذا الغلاف وفق باحثين متخصصين في شؤون هذه الجزيرة يرصدون التآكل في غطائها الجليدي، ويؤكدون أن ما رفدته هذه الجزيرة إلى المحيطات على مدى الأعوام 2010 إلى 2018 وصل إلى مائتين وستة وثمانين مليار طن من غطائها الجليدي.

من جانب آخر، هناك تسارع في وتيرة ذوبان الجليد في القارة القطبية الجنوبية التي تضم ما يقرب من 90% من الجليد على سطح الأرض، فوفقاً لما استنتجه باحثون من جامعة كاليفورنيا زاد معدل الذوبان ست مرات في السنوات الأربعين الأخيرة. كما أن من المؤشرات القوية على خطورة الوضع ارتفاع درجة حرارة القطب الشمالي في فصل الشتاء بمقدار ثلاث درجات سيليزية عما كانت عليه عام 1990.

مستويات مياه البحر في ارتفاع والشعاب المرجانية تتغير ألوانها أو تموت جراء الزيادة في حموضة البحار والمحيطات، وهناك تهديدات حقيقية للأمن الغذائي. فالارتفاع في درجات الحرارة تقابله الكائنات الحية القادرة على الحركة، الطيور والأسماك، إن لم تستطع التكيف معها بالهجرة إلى أماكن جديدة تناسبها بيئياً وهو ما يشكل تغييرات مهمة في خارطة توزيع الثروات الغذائية الطبيعية، وما يلقيه ذلك من تداعيات على الأمن الغذائي لبعض الدول.

دأبت المؤسسات العلمية، مراكز بحوث وجامعات، ومنذ عشرات السنين تحذر من عواقب التغيرات المناخية، وعُقدت مؤتمرات دولية عدة لتؤكد أن الاحتباس الحراري يهدد حياة جميع الكائنات الحية وبضمنها الإنسان نفسه. إلا أن ما وقف ويقف عائقاً أمام الاستجابة لهذه الدعوات هو موقف السياسيين الذين بأيديهم صناعة القرارات، والذين غالباً ما تقف المصالح السياسية الآنية الضيقة لهم ولأحزابهم عائقاً أمام مواجهة الحقائق الدامغة.

لا شك هناك بأن درجة حرارة الأرض آخذة بالارتفاع بسبب التغير الذي يطرأ على خصائص الغلاف الجوي المحيط بها بفعل تزايد نسب الغازات الدفيئة، خاصة غاز ثاني أوكسيد الكربون نتيجة حرق الوقود الإحفوري، الفحم والنفط والغاز. إذ لم يعد هناك توازن بين ما يصل سطح الأرض من حرارة الشمس وبين ما يعاد إلى الفضاء الخارجي من هذه الحرارة، لأن الغلاف الجوي أصبح يحتفظ بقدر منها.

الاهتمام العالمي بشؤون البيئة جاء متأخراً جداً، فقد بدأت البيئة بالتعرض للتلوث والانتهاك منذ بدأ العصر الصناعي منتصف القرن الثامن عشر، إلا أن أولى الدعوات لتدارك ذلك جاءت في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية وانبثاق العصر النووي بفارق زمني أمده قرنان تقريباً بين الفعل ورد الفعل.

إن نتاجات الأنشطة التي يمارسها الإنسان في مجال توليد الطاقة تشكل خطراً على مستقبل التنوع الحيوي وتضع ضغوطاً كبيرة مدمرة على قدرات المنظومات البيئية الطبيعية للأرض بحيث لم يعد الحفاظ على هذه القدرات بوضع سليم للأجيال القادمة أمراً مُسلماً به. فمن المخيف حقاً أن يصبح التدمير لهذه المنظومات البيئية «لا رجوعياً» غير قابل للإصلاح، وهو أمر مرجح في حالات الآلاف من الكائنات نباتية أو حيوانية، فليس من الممكن إعادة الحياة لها بعد أن انقرضت وتركت فراغاً في المنظومة البيئية التي تنتمي إليها وظيفياً.

* كاتب عراقي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات