ما الذي يجري بين طوكيو وسيئول؟

«لقد نجحت الولايات المتحدة على مدى خمسة عقود في المحافظة على السلام في الشرق الأقصى، وتمكنت من توفير الرخاء والازدهار لكوريا الجنوبية واليابان من خلال التركيز على التعاون وليس الانقسام».. هذا ما كتبه مدير وحدة كوريا الشمالية بمجلس العلاقات الخارجية الأمريكية في مقال بمجلة «فوربس» مؤخراً.

هذا الكلام جاء على خلفية الحرب التجارية التي اندلعت بين طوكيو وسيئول خلال الأسابيع الأخيرة، والتي باتت تهدد تحالفهما السياسي/‏العسكري/‏ الأمني تحت المظلة الأمريكية.

وإذا كانت الحرب التجارية الأمريكية ــ الصينية سببها سياسات الرئيس ترامب في لجم الطموحات الصينية وتقزيمها، فإن سبب الحرب التجارية الكورية ــ اليابانية مختلف تماماً، فظاهرياً يكمن السبب في مخاوف يابانية حول أمنها القومي جراء صادراتها التقنية الدقيقة إلى كوريا الجنوبية والمحتمل وقوعها في أيدي الكوريين الشماليين طبقاً لما صرّح به مسؤولون يابانيون، أما السبب الحقيقي فهو خلافات قديمة تعود إلى سبعة عقود مضت حينما احتلت اليابان كوريا الجنوبية ما بين عامي 1910 و1945.

وقامت قوات الاحتلال الياباني بامتهان كرامة الفتيات الكوريات عبر استعبادهن وتسخيرهن، وقيام الشركات اليابانية بإجبار الكوريين على العمل في منشآتها قسراً. وتأكيداً لكلامنا هذا، لا بد من الإشارة إلى ما حدث في أواخر 2018 حينما أصدرت المحكمة الكورية الجنوبية العليا أحكاماً ضد شركتي «ميتسوبيشي»، ونيبون ستيل» اليابانيتين تطالبهما فيها بدفع تعويضات جراء استخدامهما عمالة كورية قسراً.

تلك الأحكام استفزت السلطات اليابانية فقررت الرد على سيئول عبر فرض قيود للحد من تصدير جملة من المكونات التقنية يابانية المنشأ من تلك التي تستوردها كوريا الجنوبية لتصنيع الهواتف والشاشات الذكية.. ليس هذا فحسب، وإنما لجأت طوكيو إلى رد آخر تمثل في إزالة كوريا الجنوبية من القائمة البيضاء للشركات التجارية الموثوقة.

غير أن القرار الياباني الذي اتخذ بذريعة أمنية ولم يفصح عن خلفياتها السياسية التاريخية هو في الحقيقة سلاح ذو حدين. صحيح أن كوريا الجنوبية (أكبر منتج للرقائق التكنولوجية في العالم) ستتضرر إذا استمرت القيود اليابانية، وستعاني شركاتها من ضغوط شديدة لإيجاد مورد بديل.

لكن الصحيح أيضاً أن اليابان (أكبر مورد للمواد الكيميائية المستعملة في صنع الرقائق التكنولوجية) ستتضرر أيضا من وراء قرارها الذي وصفه مراقبون كثر بالقرار المتهور والمخالف لاتفاقية منظمة التجارة العالمية، التي تمنع استخدام التجارة كأداة ضغط لتحقيق مكاسب سياسية، بل القرار الذي قيل عنه إنه بمثابة عملية انتحار يابانية ذاتية.

وذلك انطلاقاً من حقيقة ضخامة الأموال التي ستخسرها اليابان جراء حظر تصدير تقنياتها إلى كوريا الجنوبية. فعلى سبيل المثال، بلغت في العام الماضي وحده قيمة صادرات اليابان من التقنيات اللازمة لتصنيع الهواتف الكورية الذكية وحدها أكثر من 11 مليار دولار.

وقد أدركت الحكومة اليابانية سريعاً الموقف الصعب الذي وضعت نفسها فيه، خصوصاً أن اليابان من أكثر الدول المستفيدة من التجارة الحرة، فدعت إلى مفاوضات لإزالة التوتر بين البلدين الحليفين.

لكن تلك المفاوضات لم تسفر عن شيء، وظل الوضع على ما هو عليه إلى أن أقدمت طوكيو في الأسبوع الماضي (ربما تحت ضغوط أمريكية) على بادرة تمثلت في إزالة الحظر المفروض على بعض التقنيات اليابانية التي طلبتها شركة «سامسونغ إلكترونكس» الكورية العملاقة.

وفي رأي العديد من المراقبين أن الخطوة اليابانية هذه ليست فقط محاولة لتخفيف غضب الكوريين الجنوبيين، وإنما أيضاً وسيلة لمنعهم من استيراد التقنيات المطلوبة من مصادر أخرى مثل الصين، أو لإيقاف برامج علمية كورية قد تؤدي في نهاية المطاف إلى الاستغناء عن التقنيات اليابانية المستوردة.

وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى ما قاله الرئيس الكوري الجنوبي «مون جاي إن» تعليقاً على القرارات اليابانية، من أنها «جعلتنا نستيقظ لنجدد اقتصادنا وننوع مصادر وإرادتنا ونعمل من أجل كوريا متفوقة اقتصادياً على اليابان خلال فترة وجيزة»، مضيفاً: «ربما ضارة تكون نافعة»، هذا علماً بأن سيئول خصصت نحو 6.5 مليارات دولار للاستثمار في مئة عنصر استراتيجي رئيسي لتوفير إمدادات تقنية مستمرة ومستقرة لصناعاتها بحلول 2024.

Ⅶ أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي من البحرين

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات