ثلة المثبطين من حولنا

أخطر ما يمكن أن يفعله المرء أن يبوح بمشروع واعد لآخر لا يمكن أن يستوعبه أو يصدقه. وكلما ارتفع مستوى الفرد أو المسؤول زادت، بطبيعة الحال، أهمية قراراته.

فكم من القرارات التي تم وأدها لأن ثلة المقربين لم تستوعب عمق رؤية ذلك المسؤول، وجدوى مشروعه الطموح لأمته أو مؤسسته.

وهذا يذكرني بقصة مجموعة من الضفادع قررت القيام بمسابقة لتسلق أحد الأبراج الشاهقة، وكان التحدي بينهم على أشده فيمن يستطيع بلوغ قمة ذلك البرج الكبير.

وبينما هم كذلك، كانت الحشود المجتمعة من الضفادع تتهكم عليهم وتتندر، لأنهم كانوا على يقين أن أحداً من المتسابقين لن يستطع تحقيق هذا الحلم بعيد المنال. وبدأ السباق، فانطلقت الضفادع تتسلق بسرعة كبيرة نحو الهدف، في حين تتعالى الصيحات التهكمية من جمهور الضفادع، مرددين بصوت واحد:

«مستحيل.. مستحيل»، وهي عبارة استهجانية، لتثبيطهم. في أثناء ذلك، بدأت الضفادع تسقط الواحدة تلو الأخرى، من شدة الإعياء، وعدم مقدرة كثير منهم على مواصلة الصعود نحو القمة، في حين واصلت مجموعة أخرى التسلق بهمة وحماسة، ولكنهم أيضا سرعان ما تساقطوا تباعاً بسبب إرهاقهم وتأثرهم بصيحات المتشائمين، ما عدا ضفدع واحد أبهر الجميع، حيث واصل التسلق بأقصى سرعة حتى بلغ قمة البرج، ففاز على الضفادع جميعها.

ذهل جمهور المتشائمين، فاحتشدوا حول هذا الضفدع العجيب لمعرفة كيف نجح في تسلق قمة البرج، وجاءت المفاجأة أن الضفدع كان «أصم»، ولم يسمع تعليقات الجمهور المثبطة، فحقق هدفه بنجاح باهر، لأنه كان مدفوعاً بعزيمته وإصراره!

نتعلم من رمزية هذه الحكاية أن الاستماع إلى أفكار الآخرين التشاؤمية قد يثنينا عن المضي قدماً نحو تحقيق ما نصبو إليه في حياتنا من أهدافنا الوظيفية أو الشخصية أو كليهما، فأفكار الناس السلبية قد تتماشى مع قدراتهم ومحدودية طموحاتهم، ولكنها لا تنطبق بالضرورة على قدراتنا وطموحاتنا ومؤهلاتنا العلمية وآمالنا الواسعة.

وهذه مسألة في غاية الأهمية. ذلك أن لكلمات الناس تأثيراً هائلاً علينا، يمكن أن تدمر أو تثبط أحدنا، مهما أوتي من قوة وحماسة، ولذلك يجب أن يختار المرء بعناية تامة من يستشيرهم، وألا يصغي إلى كل «من هب ودب»، وبخاصة إذا كان الأمر يتعلق بأهدافه وطموحاته المهمة، لأن ما نستمع إليه أو نقرأه يؤثر في أفعالنا وتصرفاتنا بصورة كبيرة، وربما يرسخ مع مرور الزمن في عقلنا الباطن.

ولذا كان من أبجديات القيادة أن يلتفت المسؤول نحو فريقه أو ثلة المستشارين فإذا افتقروا إلى من يتصف ببعد النظر واستيعاب تداعيات القرارات المستقبلية، كان من الحكمة تطعيمهم بمن يسد هذا النقص. وتعد فجوة من «لا يستوعب» الرؤية أمراً في غاية الأهمية لأن الكثير من المشاريع وئدت في مهدها بسبب تردد أو خشية أو تسرع البعض في عدم تأييدها فحرمنا من أفكار خلاقة. ولذا كان من الحكمة عدم كثرة مجالسة من اشتهر بصفة التشاؤم واللوم والعتاب المستمر.

وعليه فإنه من حقنا أن نصم آذاننا عن «المتشائمين» أحياناً حينما يثبطوننا بقولهم: «لن نحقق طموحنا وأهدافنا» إذا لم يقدموا أسباباً وجيهة كافية. نحن لا نريد أفراداً «يطبلون» أو يباركون كل شاردة وواردة ولكننا كمسؤولين نريد ردوداً منطقية أو مدروسة لتداعيات قراراتنا بعيداً عن الخوف والتردد غير المبررين.

وما يميز القيادي المقدام والحصيف عن غيره أن لديه جسارة الإقدام على مشاريعه مهما قال عنه المثبطون. امثالا لقول أبي القاسم الشابي:

ومن يتهيب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر

* كاتب كويتي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات