العودة إلى سباق التسلح

صدق أو لا تصدق أن العالم يعيش على فوهة بركان، وعندما يكون في الدنيا ١٤ ألف سلاح نووي فإن الحياة على وجه الأرض تصبح في مواجهة خطر دائم: الفناء.

الأسلحة النووية ليست مثل الأسلحة التي عرفتها البشرية، لأنها لا تنهي الحياة فقط وإنما بما تجلبه من حرارة وإشعاعات تضع نهاية لأسباب الحياة. زرت «هيروشيما» ــ أول مدينة ضربت بالقنابل الذرية - مرتين، وذهبت إلى متحفها، وهناك وقفت لساعات أمام لوحة جراتينية تسمى «الظل».

اللوحة ليست صورة فنية وإنما هي قطعة من صخور الجرانيت مستوية وكبيرة، أكبر من طول إنسان تقريباً، يبدو مطبوعاً عليها ظلاً لياباني ربما كان رجلاً أو أنثى، ولكنه كان واقفاً هناك ساعة أن نزلت القنبلة من الطائرة الأمريكية. ظل الإنسان كان على اللوحة .

ومن ثم فإن حرارة القنبلة طبعت مساحة الجسد على اللوحة فبات ما كان حولها حبيبات من زجاج. ما الذي حدث له ساعتها، هل كان لديه ثانية أو حتى جزء من الثانية لكي يصرخ، أو أن الهول ذاته كان مجسداً حتى انتابه الحريق الذي لم يبق شيئاً من جسده، هو لم يقتل، هو تبخر.

ما سبب الحديث عن ذلك كله؟ السبب هو أن الحديث عن السلاح النووي الذي ساد الظن أنه ولى وراح قد عاد مرة أخرى عندما أعلنت الولايات المتحدة عن انسحابها من معاهدة الأسلحة النووية متوسطة المدى (٥٠٠ كيلومتر) التي جرى توقيعها من «ريجان» الأمريكي و«جورباتشوف» السوفييتي ديسمبر ١٩٨٧.

هناك اتهام أمريكي لموسكو أنها استأنفت إنتاج هذه الأسلحة، فضلاً عن أنها تقوم باختراقات متعددة لدول في حلف الأطلنطي أو تحت حمايته. وقبل وبعد كل شيء فإن السلوك الروسي في جورجيا وأوكرانيا وسوريا مقلق؛ كما أن هناك اتهامات روسية لواشنطن بأنها تنقض اتفاقيات ما كان لها أن تنقض لأنها حجر الزاوية في السلام العالمي.

انتهاء الاتفاقية لا يعني فقط أن الطرفين سوف ينتجان تلك الصواريخ متوسطة المدى، وإنما سوف يتسلحان بهما وينشران قواتهما في أوروبا بحيث «تعود ريما إلى عادتها القديمة» بتحقيق حالة من التهديد المتبادل تضع العالم على حافة الهاوية مرة أخرى.

ما هي الحكاية؟ البداية كانت في مطلع الستينيات بعد أزمة الصواريخ الكوبية التي قُطعت فيها الكثير من المسافات حتى باتت الحرب النووية واقعية وممكنة طالما أن سباق التسلح كان جارياً على قدم وساق.

وكان سباق الوصول إلى القمر غطاءً مناسباً لإنتاج صواريخ طويلة المدى، ولم يكن هناك معضلة في تحميل رؤوسها قنابل ذرية. معالجة هذا الموقف، وحماية السلام العالمي وسلامة كوكب الأرض، بدأ ما بات معروفاً بالحد من التسلح، فكانت اتفاقية «سالت-I» ومن بعدها «سالت-II» لوضع سقف لأعداد هذه الصواريخ، ولم يكن هناك بأس من تحسين نوعياتها ودقتها.

في الثمانينيات تقدم الأمريكيون والروس خطوة أخرى بتوقيع اتفاقية «ستارت» التي تخفض أعداد هذه الصواريخ حتى ولو كان باقياً منها ما يكفي لدمار الأرض مرات عدة، ولكن التخفيض كان كافياً لمنع الدول الأخرى من دخول السباق؛ وكما قيل أيامها أن الدول العظمى قد فعلت ما عليها للحد من انتشار الأسلحة النووية! اتفاقية وقف إنتاج الأسلحة متوسطة المدى كانت ضمن هذا الإطار.

لماذا الآن؟ العالم كله يمر بمرحلة جديدة من العلاقات الدولية، أمريكا تريد أن تكون «عظيمة» مرة أخرى تحت قيادة «دونالد ترامب»؛ «وبوتين» يريد أن يعيد لروسيا مكانة الدولة العظمى مرة أخرى؛ وكلاهما يريد أن يكون سابقاً للصين!

كلاهما بدأ سباقاً للتسلح منذ فترة ليس في السلاح النووي وحده، وإنما معه أنواع جديدة للأرض والفضاء أيضاً. أمريكا التي لديها قيادات وتشكيلات للبر والبحر والجو والأسلحة الاستراتيجية، أضافت لهما أخيراً قيادة وتشكيل للفضاء. روسيا ليست بعيدة، والسباق الجديد بدأ.

* كاتب ومحلل سياسي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات