اقتصاد المعلومات (1)

مع تطور قطاع الصناعات والأعمال وما فرضه التحول نحو اقتصاد المعرفة نجد أن كثيراً من الشركات والمؤسسات قد طورت من منظومة بنيتها التحتية البحثية الخاصة بتطوير الصناعات والأعمال متمثلة في هيئة مراكز ابتكارية وبحثية وحاضنات لتطوير الأفكار منها ما هو متصل بهذه المؤسسات أي مخصص له قطاع ضمن مكوناتها ومنها ما هو مستقل أي يتم العمل فيه بعيداً عن كيان الشركات والمؤسسات وبمعزل عنها، لكنه يعمل في ذات السياق الإنتاجي لهذه المؤسسات ويغذيها. وثمة شكل ثالث من هذه المراكز البحثية لا ينتمي إلى أي شركة أو مصنع إنتاج وتعمل بشكل منفصل في مجال إنتاج الأفكار، وتوفير المعلومات القائمة على المعرفة الصحيحة والحقيقية.

وتعتمد صناعة هذه المراكز البحثية والحاضنات الفكرية والابتكارية على توافر كم هائل من المعلومات التي تساهم في تغذية منتجات هذه المراكز والحاضنات والارتقاء بها إلى أعلى حد، مما يسهم بدوره في الوصول إلى صناعات جديدة أو تطوير سلاسل قديمة من الصناعات أو أقصدت مكونات صناعاتها من خلال توفير بدائل أفضل للمواد التي تتركب منها تلك المنتجات بناء على المعلومات الجديدة.

وتتنافس المراكز البحثية والحاضنات الفكرية والابتكارية في سبيل الحصول على المعلومة التي بدورها تسهم في تغذية الصناعات بمختلف أنواعها حتى أن بعضاً من هذه المراكز قد استقل في عمله إلى حد يسمح له بالعمل في أسواق المعلومات من خلال ما نجده من مراكز بحثية مستقلة لا تتبع أي شركة صناعية، وتنفرد بعمل وحيد وهو توفير المعلومة التي تستند إلى المعرفة الصحيحة وتسليعها لتكون منتجها التي تمثل المورد الذي يغذيها وتقوم عليه تجارتها.

لقد أصبح اقتصاد المعلومات هو الخط الذي تسير فيه أي عملية تقييم لأي دولة، ويقاس حجم استثماراتها في البحث العلمي وحجم المعلومات والبيانات التي تستند إلى المعرفة الصحيحة والخاصة التي تغذي قاعدة بيانات مراكزها البحثية. بمعنى أن رأس المال الذي يمكن من خلاله قياس حجم ثروة أي دولة لم يعد المال بالمعنى الشائع والتقليدي، بل بكم المعلومات والبيانات التي تغذي قاعدة بياناتها وحجم الفائدة التي يمكن جنيها من خلال هذا الكم من المعلومات.

ونلمس التنافس الحقيقي على الحصول على المعلومة التي تستند إلى المعرفة الصحيحة في أسواق كثيرة، وتتفاوت قيمة المعلومة تبعاً لمدى أهمية المنتج الذي يمكن تطويره أو إنتاجه بفضلها، ففي عالم صناعة وتطوير الأدوية نجد قيمة المعلومة على قدر عالٍ من الأهمية، نظراً لحجم الجمهور المستهدف من هذا الدواء، وفي سياقات أخرى نجد أن المعلومة تمثل دوراً حيوياً وسعرها يعادل ثروة حقيقية، نظراً للبيئة التي ستلعب فيها المنتجات التي تقوم على تلك المعلومة والحجم الواسع للجمهور المستهدف.

لقد كان الغرض الرئيس من إنشاء وتوسيع شبكة الإنترنت، هو أن هذه الشبكة ستمثل منصة لتداول المعلومات، وتسهيل الحصول عليها، بما يسهم بدوره في تغذية مشاريع البحث العلمي، وتقريب البعيد وتسهيل الصعب، بغاية جوهرية هي تحقيق أهداف التنمية المستدامة. ثم نشأت مسألة مهمة كانت طبيعية في ظهورها للتصدي للمجانية التي تعم هذه الشبكة فتم احتكار المعلومات الحقيقية التي يمكن أن تسهم في عملية زيادة أو تطوير الإنتاجية في مختلف المجالات، ومن ثم تسليع هذه المعلومات، فأصبحت هي المنتج الذي يغذي اقتصاديات المعرفة ويحرك أسواقها وعوالمها. والاكتفاء بالمعلومات العامة التي يمكن القول إنها تقع في سياق الملكيات العامة مما نجده على الشبكة.

إن المستقبل سيكون بلا شك في ظل هذه الوتيرة لتطورات اقتصاد المعلومات لهذا الاقتصاد الجديد القائم على التداول المعلوماتي المفيد فقط، والحرص سيكون مركزاً على التنافس للحصول على المعلومة الدقيقة وسط التراكمات المعلوماتية المزيفة أو غير المفيدة.

السؤال: هل يمكن أن نشهد مستقبل بورصة معلوماتية يتم فيها تداول المعلومة كسلعة؟ وللحديث بقية.

 

ـــ مستشارة اقتصاد معرفة

طباعة Email
تعليقات

تعليقات