مراجعات الظهير اليهودي لإسرائيل

بعيد إعلان دولة إسرائيل، تنازع ناحوم غولدمان رئيس المؤتمر اليهودي العالمي وقتذاك مع ديفيد بن غوريون أول رئيس وزراء للدولة الوليدة، على من له الكلمة العليا في دعوى التحدث باسم يهود العالم. وقد انتهى الجدل بهذا الخصوص لصالح الأخير وأنصاره، واعتبار إسرائيل الدولة ونخبة الحكم فيها بمثابة الممثل الشرعي الأول، وربما الوحيد أيضاً، لليهود أينما وجدوا.

في غضون تلك الخصومة الفكرية والفقهية السياسية وتوابعها القانونية والدبلوماسية، لم يعبأ المتجادلون بالتداعيات المحتملة للنتيجة التي استقروا عليها.. مثل احتمال نشوء ارتباط وجداني لدى عوالم الآخرين، بين تصرفات هذه الدولة وسلوكياتها وتوجهاتها من جهة، وبين الموقف من القطاعات اليهودية في هذه العوالم من جهة أخرى، وهو ما حدث لاحقاً بالفعل.

ويبدو أن تجاهل هذه الاحتمالات من جانب يهود أوروبا والولايات المتحدة الذين انتصروا لأولوية الدولة، نشأ عن انبهارهم بأجواء التعاطف الغربي مع هذه الدولة، بما أدى إلى غض النظر عما قد يأتي به المستقبل من تحولات. لقد كان الظن الغالب لدى الرأي العام الغربي، وقت الترحيب بسطوة إسرائيل على كل خلق الله من اليهود، أن الدولة الاستيطانية الجديدة لن تواجه مقاومة ممتدة من المجتمع الفلسطيني الأصيل ولا من محيطها العربي والإقليمي. وبالنسبة لقطاعات واسعة من الأوروبيين، كان تقعيد هذه الدولة وإسنادها بمثابة تكفير عن سوءات العالم الأوروبي بحق اليهود.

غير أنه بمرور الوقت راحت السكرة وجاءت الفكرة. إذ اتضح أن عوائد قضية تمثيل إسرائيل لليهود ليست مكسباً صافياً اليوم هناك وقائع كثيرة لا تخلو من دلالة على هذه الانعكاسات السلبية في الأوساط الأوروبية والأمريكية.. أكثرها يتعلق بالتعدي على أفراد أو مؤسسات على خلفيات ذات طابع ديني يهودي بحت. ولا صحة هنا للزعم بأن هذه التعديات مقطوعة الصلة بمنظورات المجتمعات المذكورة لإسرائيل الدولة، لأنها تتوازى وتتواكب تماماً مع انحدار صورتها هناك. ندفع بذلك وفي الخاطر نتائج أكثر من استطلاع للرأي؛ أجمعت على أن زهاء ثلثي سواد الأوروبيين يرونها «دولة عاصية للقوانين وخطيرة جداً على السلم والأمن الدوليين».

كما لا يصح تعليق هذا العداء المتنامي بذمة فئات اجتماعية متطرفة أو متعصبة ذات توجهات وأحانين عنصرية أو قومية، فبالتزامن مع تجليات الاشمئزاز الشعبي المشار إليه، يلاحظ تصاعد الانتقادات الموجهة لإسرائيل من جانب مسؤولين أوروبيين وأمريكيين، ممن شغلوا في أوقات سابقة مناصب سياسية رفيعة. يطالبون بممارسة ضغوط أوروبية قوية لوقف الاستيطان وعدم إخلاء ساحة التسوية الفلسطينية للدور الأمريكي الذي ثبت فشله.

ليس بلا مغزى أن تستطرد هذه الأحاسيس السلبية إزاء إسرائيل إلى قطاع عريض من الأمريكيين اليهود. يقول استطلاع للرأي أجراه «المعهد الانتخابي اليهودي» في أكتوبر2018 أن «59% من يهود الولايات المتحدة يعارضون سياسات الحكومة الإسرائيلية. ويعتقد 75% منهم أن مستقبل اليهود يرتبط بالمجتمعات التي يعيشون فيها؛ بينما يرى زهاء 33% أن وجود إسرائيل ليس مهماً لبقاء اليهود عموماً».

هذه معطيات تنطوي على مؤشرات ومستجدات فارقة بقوة، لجهة مستقبل الادعاء الصهيوني بأن إسرائيل تمثل يهود العالم وتنطق بلسانهم. وأهم من ذلك لفتاً للانتباه وإثارة للحيرة، هو تزامن هذه المعطيات مع غلو حكومة اليمينين الديني والعلماني في إسرائيل، في هذا الادعاء الكالح والمرشح للتقادم، وصولاً إلى سن ما يسمى بقانون يهودية الدولة.

لا نستبعد في كل حال أن يتفاقم الصدع بين يهود العالم وبين الدولة الصهيونية الاستيطانية؛ بحسبها باتت تجنح أكثر فأكثر إلى مخالفة الظنون والتوقعات التي سيقت ذات حين لتبرير وجودها. ولا نستبعد أن يتكاثر الساخطون من أفاعيلها، فيسعون إلى فك ارتباطهم بها، باعتبار سلوكياتها أحد أهم أسباب تفاقم المنظورات الشعبية العدائية تجاههم؟ هذا عصب صهيوني إسرائيلي مرشح لمزيد من التعرية والانكشاف.

* كاتب وأكاديمي فلسطيني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات