«إسرائيل».. دولة فلسطينية!

في زيارته الوحيدة العام 2007 لمدينته المحتلة حيفا، التي غادرها العام 1971، التقى محمود درويش الكاتب الإسرائيلي أ.ب يهوشواع المرشح مرات عدة لجائزة نوبل.

كان اللقاء مراً بالنسبة لمحمود الذي دخل مدينته كزائر بتصريح من المحتل.

أ. ب. يهوشواع ضمّن في إحدى رواياته، وقائع مقابلة مع درويش جرت في مكتبه في رام الله، احتدّ فيها النقاش بينهما. كانا لفترة في تراشق كلامي غير مباشر، ودون علاقة شخصيّة بينهما. ولكن كان يفهمه من كان على علم بتفاصيل الخلفيّات.

تقول الكاتبة والناشطة الفلسطينية من حيفا سهام محمود الشاهد على اللقاء وصديقة درويش ورفيقته في «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة » التي تضم عرباً ويهوداً «في تلك الفترة اتصل بي أ.ب يهوشواع، وهو المقيم في حيفا أيضاً، طالباً أن أتوسط لدى محمود درويش لترتيب لقاء بينهما، علماً أن الإذن بتواجده في البلاد، هو لـ ٧٢ ساعة فقط. وافق درويش .

- كما هو متوقع من شخص ثاقب التفكير السياسي وبعيد النّظر - وخصصنا من وقته الضيق الثمين، محسوب الدقائق، ٣٠ دقيقة نلتقي به في مقهى «مندارين»، المنزوي، المحاط بحديقة في وسط مركز جبل الكرمل. كما كان متوقعاً..

اللقاء كان متوتّراً. ودرءاً لحدوث الأسوأ، همستُ بأُذن محمود على مسمع من الكاتب أن وقت لقائنا هذا انتهى واقترب موعد اللقاء التالي.

وبالفعل، كنت قبل الهمسة بدقائق اتصلتُ بصديقي القاضي الشاب أمير طوبي، وهو نجل رفيق وصديق قديم لمحمود من أيام حيفا السّالفة، الراحل جورج طوبي - وكان محمود على علاقة خاصة به - اتصلت به وكان بيته على مسافة دقائق معدودة من مقهانا، لكي استقدم موعدنا بربع ساعة - ربع الساعة التي اقتطعناها للتوّ من لقاء الكاتب الإسرائيلي المشاكس.

بعد دقيقتين كنّا أصبحنا خارج المقهى وصديقنا ينتظرنا فعلاً بسيارته في آخر الممر بين المقهى والشارع الرئيس من كرمل حيفا. ونحن في ممر المقهى الطويل لحق بنا الكاتب الإسرائيلي واستوقفنا مهرولاً، حيث وصلنا إلى السيارة، موجّهاً كلامه إلى محمود بالطبع، سائلاً بتعبير عبري شائع: «نسيت أن أسألك.. كيف تشعر؟ هل تشعر كالذي في بيته»؟

تقول سهام: راقبت وجه محمود مدركة ماذا سيشعر تجاه هذا السؤال؛ رأيت وجهه الذي استُفزّ، ورأيته يحتقن، شاهدتُ لغة جسده، وقد هزّ رأسه مطأطئاً علامة المغلوب على أمره بتصنّع الأدب، لبرهة تماماً، ثم رفع رأسه وشمخ بقامته في حركته المعروفة التي تطاول السماء، ناظراً إلى أ.ب. يهوشواع، وقال له ناظراً إلى عينيه بثبات: «نعم، نعم، أشعر مثل صاحب البيت»! ولم ينتظر أية ردة فعل».

محمود درويش واحد من سبعة ملايين لاجئ فلسطيني لا يستطيعون زيارة بيوتهم إلا بتصريح من سارق البيت.

اللقاء القصير المر يلخص جوهر الحكاية. ففي مثل هذه الأيام من العام الماضي انطلقت تظاهرة كبرى في تل أبيب ضد ما عرف بقانون القومية أي «إسرائيل دولة يهودية»، لا مكان فيها لغير اليهود سواء أكانوا مسلمين أم مسيحيين، وهو القانون الذي سنّه الكنيست. رفعت في التظاهرة للمرة الأولى بهذه الكثافة الأعلام الفلسطينية والإسرائيلية، ما أثار حنق نتانياهو الذي عبّر عن غضبه بقوله «إنهم يريدون إسرائيل دولة فلسطينية».

شارك في التظاهرة دعاة سلام عرب وإسرائيليون، وكان لافتاً أنّ أحد الخطباء في التظاهرة عاموس شوكن، صاحب وناشر صحيفة (هآرتس) العبريّة، التي تُعتبر في نظر العديدين صحيفة ليبراليّة وديمقراطيّة، خلافاً لباقي وسائل الإعلام العبريّة.

اليوم، وبعد سنة من التظاهرة يكتب عاموس: «إسرائيل دولة فصل عنصري إجرامية. تستغل القوة في مصادرة أراضي الفلسطينيين وممارسة التطهير العرقي ضدهم».

الأقنعة التي تتستر وراءها إسرائيل تهترئ واحداً تلو الآخر. ومن يكشف عن الوجه القبيح هم إسرائيليون يرون أن اليمين المتطرف بزعامة نتانياهو وليبرمان يقودون العربة المسروقة إلى مقر شرطة التاريخ أو إلى الهاوية.

وليصدق تحذير الكاتب جدعون ليفي «سنرحل.. سنرحل» يوماً ما عن هذه الأرض الفلسطينية.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات