وقفة أمام هيكلة الحشد الشعبي العراقي

أصدر رئيس الوزراء العراقي عادل عبدالمهدي في الأول من يوليو المنصرم قراراً يقضي بدمج منتسبي فصائل الحشد الشعبي بالقوات المسلحة وبالأجهزة الأمنية وإلغاء جميع مسمياتها الدينية أو المذهبية أو العشائرية، أو مما هو خارج أطر المسميات المتعارف عليها في أوساط القوات المسلحة، وإغلاق المقرات الاقتصادية لها في جميع المحافظات، في خطوة فاجأت الكثيرين غير أنها لم تكن مفاجئة في سياقات ما يجري إعداده والاستعداد له في أجواء التوتر المتصاعد في المنطقة.

سارعت قلة من قيادات هذا الحشد عن الإعراب دون تحفظ عن تأييد القرار، في حين أحجمت قيادات أخرى عن إبداء الرأي ورفضته أخرى رفضاً تاماً. القرار أتاح مهلة زمنية لهذه القيادات لحين نهاية يوليو للاختيار بين الانخراط في صفوف القوات المسلحة أو التحول لتنظيم سياسي وفق قانون الأحزاب.

حصر حيازة السلاح بأجهزة الدولة الأمنية مطلب على درجة كبيرة من الأهمية ليس لدى القيادات السياسية بل لدى المواطن البسيط الذي يشعر بأهمية ذلك، بعد أن خبره وهو يقف عاجزاً عن مواجهة ميليشيات تُهجّره عن أرضه، أو تجبره على تقاسم رزقه معها، أو تحرمه من حقه انتخابياً لصالح من استأجرها وتبتزه في كل صغيرة وكبيرة.

حصر حيازة السلاح بالأجهزة الأمنية للدولة مطلب وطني يلقى الدعم والتأييد من قبل كل من يطمح ويسعى لبناء الدولة المدنية في العراق.

القرار جاء لوضع قانون هيئة الحشد الشعبي رقم 40 لسنة 2016 الذي أقره مجلس النواب السابق موضع التنفيذ، وهو القانون الذي اكتسب الحشد الشعبي بموجبه شرعية القبول في الوسط السياسي العراقي على الرغم من أن القائد العام للقوات المسلحة لم يستطع ممارسة صلاحياته على فصائله التي بقيت تعمل بتوجيهات قياداتها بمعزل عن سياسة الدولة.

إلا أنه من جانب آخر جاء في ظروف سياسية محلية وإقليمية ودولية مختلفة، فهو لم يتُخذ لتأكيد شرعية هذا الحشد وإنما لتجريد قياداته من النفوذ على فصائله، فهناك ضغوط شديدة يتعرض لها رئيس الوزراء لوضع حد للتدخلات الإقليمية في الشأن العراقي.

الحشد الشعبي لعب دوراً في محاربة تنظيم داعش إلا أن هذا الدور قد جرى تضخيمه إعلامياً بشكل غير موضوعي على حساب دور الجيش الذي تعرض ويتعرض إلى تهميش وتقزيم منهجي تنفيذاً لسيناريوهات سياسية مدعومة إقليمياً تستهدف الدولة العراقية لتسهيل ابتزازها وتطويعها. فالمهام الصعبة في الحرب على تنظيم داعش نفذتها قطعات الجيش خاصة قوات مكافحة الإرهاب ذات المستوى الاحترافي العالي التي كانت رأس الحربة في القتال ضد التنظيم الإرهابي.

قرار رئيس الوزراء هذا يفتح المجال واسعاً لشتى التكهنات حول مدى قدرات حكومته على تنفيذه بالصورة التي تجعل فصائل هذا الحشد تذوب فعلاً في المؤسسة العسكرية الرسمية وتتوارى أدوار قياداته.

إذ مع انتهاء المهلة المحددة خرج رئيس هيئة الحشد فالح الفياض ليعلن أن «الحشد تنظيم مستقل ولن يذوب في أي تشكيل آخر من القوات المسلحة العراقية»، طالباً مهلة إضافية أمدها شهران لتوفير المتطلبات لوضع القرار الديواني موضع التنفيذ. مما يعني الإبقاء على أوضاع وصلاحيات الحشد الشعبي على حالها.

لا تتغير معادلات التوازنات السياسية بمجرد صدور قرار حكومي، فالبُنى التي ترسم هذه التوازنات لا تتشكل وتنضج وتصبح فاعلة ومؤثرة في الوسط المجتمعي بين ليلة وضحاها، هذا إذا كان الطريق لذلك سالكاً يخلو من المعيقات وهو مما لا ينطبق على الحالة التي نحن بصددها، فهناك معيقات جدية محلية وإقليمية تقف بوجه ذلك.

فالحشد الشعبي الذي يقدر عدد المنتسبين إليه بما يقرب من مائة وخمسين ألفاً، حسب ادعاء قياداته، أصبح مؤسسة ضخمة تمتلك أسلحة ثقيلة وأموالاً وعقارات وارتباطات خارجية ونفوذاً على القوى السياسية ومصالح متشعبة، وبكلمات أخرى أصبح هذا الحشد ركناً مهماً وأساسياً من أركان الدولة العميقة التي تكمن خلف رسم السياسات المتبعة في العراق.

ومن المستبعد جداً أن تتخلى قياداته بسهولة عن ما حصلت عليه من امتيازات، بل المتوقع في ضوء ذلك أن تعمل هذه القيادات ومن يقف خلفها بشتى السبل على الالتفاف على القرار وتفريغه من محتواه أو التصدي بالقوة لمحاولات تنفيذه كما يحدث في سهل نينوى من مناوشات بين أحد ألوية الحشد والجيش العراقي.

Ⅶ كاتب عراقي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات