العقلية السويسرية

تعد سويسرا الدولة الأولى التي أجرت استفتاءً عاماً على مقترح منح المواطنين دخلاً أساسياً يبلغ 2500 فرنك من دون عمل.. ليس هذا الغريب في الموضوع، بل العجيب أن 78 في المئة من الناخبين السويسريين رفضوا تلك المبالغ المالية، بل قد تمت معارضة المشروع من قبل جميع التيارات السياسية في البلاد.

المقترح، الذي قدم قبل بضع سنوات، كان ضمن إطار الاستفتاء العام الذي استند على قانون المبادرات الشعبية في سويسرا الذي يخول 100 ألف شخص وأحياناً أقل من ذلك تقديم مبادرة وطنية قد تتحول إلى تشريع قانوني أو تعديل في لوائح البلديات أو الكانتونات.

وتفاوتت أسباب رفض الشعب بين خشيتهم من أن يدب في البلاد تضخم في الأسعار، وهو أمر متوقع في عالم الاقتصاد، وبسبب ما وصفته عضو البرلمان اليمينية لوزي ستام من خشية أن تتوافد إلى بلادها «مليارات الناس الذين يسعون إلى الانتقال إلى سويسرا»، فضلاً عن ارتفاع مستوى المعيشة أصلاً.

هذا المقترح لو قدم في مكان آخر من هذا العالم فستكون النتيجة كاسحة لقبوله، فمن سيرفض ما يعادل 2560 دولاراً أمريكياً في الشهر و640 دولاراً لكل طفل.

وما يثير الاهتمام طريقة تفكير السويسريين الإيجابية، خصوصاً أن بلادهم محاطة بدول عظمى ومتقدمة، وعليها اللحاق بركب الأمم الأوروبية.

وتجد أيضاً أن جلسات البرلمان السويسري عادة ما تكون هادئة وقلما تشهد مواجهات ضارية كما يحدث في البلدان الأنجلوساكونية أو الفرانكفونية أو العربية وغيرها، فالبرلمان ينتخب وزراءه، وعادة ما يمكث الوزير في منصبه لمدة تتجاوز 10 سنوات وهو استقرار كبير مقارنة في بلدان يكون فيها الوزير في مرمى نيران الإعلام والاستجوابات النيابية «الشخصانية» البعيدة عن المقصد الإصلاحي الحقيقي أحياناً.

ولا يبدو أن وجود قيادي أو حاكم بشكل دائم للبلاد قضية تشغل تفكير السويسريين، ما دام هناك من يسيّر دفة السفينة ويصل ببلادهم إلى بر الأمان، ولذا إذا كنتَ رئيس دولة وقررت زيارة سويسرا لسبعة أعوام متتالية، فإنك قد تلتقي سبعة رؤساء للبلاد، ذلك أن أولئك السبعة هم الوزراء الذين بالإضافة إلى مهام عملهم يتولون شرف مهمة إدارة البلاد سنوياً بالتناوب.

والسويسريون لم يشتكوا من افتقارهم لحدود بحرية، ومن امتداد سلسلة جبال الألب على نحو 60 في المئة من أراضيهم، فضلاً عن تناثر 1500 بحيرة في أراضيهم، بل شرع السويسريون إزاء ذلك في استخدام طاقة المياه الهائلة من شلالاتها في توليد طاقة كهربائية، وجلبوا حبوب الكاكاو من أقاصي غابات غانا والإكوادور ليحولوها إلى أشهر منتج وطني يصدرونه إلى العالم (الشوكولاتة السويسرية)، فضلاً عن أفخر الساعات، والجبنة السويسرية، والقهوة التي تدر على خزينة الدولة مليارات الدولارات سنوياً.

وتغلبت سويسرا على تحدياتها، وشح مواردها، بفكرة إيجاد بيئة مالية مصرفية آمنة لتحتضن وتستثمر مليارات الأموال من أغنى أغنياء العالم، وهذا ما تطلب أن تكون بلداً غير متهور سياسياً، ومحايداً إلى حد كبير neutral state لكونه محشوراً بين قوى عظمى لديها من التاريخ الدموي إبان الحروب العالمية ما يذكرها بمرارة التطرف باتجاه طرف على حساب آخر.

هذا التفكير جعل المنظمات الدولية العالمية تجد في سويسرا واحة أمن وأمان لتستقر فيها، وهو الشعور الآمن والشعبي اللطيف الذي انتابني في أثناء زيارتي الأخيرة، حيث أكتب مقالي هذا على ضفاف إحدى بحيراتها الساكنة التي تعكس هدوء شعبها وتفكيرهم الجميل الذي جعل لبلادهم نكهة مختلفة ومستقلة، فلم يجدوا أصلاً حاجة لأن يصبحوا جزءاً من الاتحاد الأوروبي الذي تتسابق إليه البلدان تلو الأخرى.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات