أوروبا و150 قنبلة نووية

نفذت الولايات المتحدة الأمريكية قرارها بالخروج النهائي من اتفاقية منع إنتاج ونشر الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى والمحملة برؤوس نووية، وذلك بعد فشل كل الجهود والمحادثات لإنقاذ الاتفاقية من الانهيار، ويزيد من خطورة الوضع في أوروبا هذه الوثيقة المسربة على موقع لجنة الدفاع والأمن التابعة للجمعية البرلمانية لحلف شمال الأطلسي.

والتي كشفت تفاصيل عن نشر 150 قنبلة نووية من طراز بي – 61 في عدد من الدول الأوروبية، فكيف سيكون مصير أوروبا وإلى أي مدى سيتعايش سكان القارة العجوز مع هذا الكم الهائل من القنابل النووية ؟ وما هو الرد الروسي المتوقع على الخطوة الأمريكية ؟

البداية كانت مع تعليق الرئيس دونالد ترامب العمل باتفاقية منع نشر الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى في أوروبا في الثاني من فبراير الماضي عندما قالت واشنطن أن روسيا أنتجت صاروخاً جديداً من طراز «نوفاتور 9إم 729» والمعروف لدى الحلف الأطلسي باسم صواريخ «SSC8» وينتهك الصاروخ وفق الرؤية الأمريكية المعاهدة .

حيث يتجاوز مداه 500 كلم، وهو المدى المتفق عليه في الاتفاقية التي وقعتها الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق عام 1987، ويتوافق هذا القرار الأمريكي مع رفض واشنطن الالتزام بأي اتفاقية من طرف واحد منذ وصول الرئيس ترامب للبيت الأبيض، وجرت عدة جولات من المفاوضات في جنيف وفيينا بعد انسحاب روسيا من الاتفاقية مارس الماضي لكن جميعها فشلت، لأن الولايات المتحدة تريد انضمام الصين للاتفاقية في حين ترفض بكين رفضاً قاطعاً الدخول في أي التزمات دولية.

القناعات الخاطئة

ويبدو أن أوروبا على عتبة سباق تسلح جديد خاصة أن الجزء المسرب من تقرير البرلمانيين الأوروبيين والذي كتبه السيناتور الكندي جوزيف داي أكد وجود «150 سلاحاً نووياً» في بلجيكا وألمانيا وإيطاليا وهولندا وتركيا، وهي قنابل من طراز «بي 61» التي تعادل 26 مرة القوة التدميرية لقنبلة هيروشيما اليابانية سنة 1945،.

وهذه القنابل يمكن استخدامها فقط بقرار من الرئيس ترامب، ويزيد من فرص اندلاع سباق تسلح أن نشر 150 سلاحاً نووياً في أوروبا هو جزء فقط من استراتيجية الردع الأمريكية علي الساحة الأوروبية التي تضمنت نشر منظومات الدفاع الصاروخية في بولندا ورومانيا، ونشر الكثير من القطع العسكرية على حدود روسيا في دول بحر البلطيق الثلاث، وتلفت هذه الوثيقة المسربة الجدية الكاملة في حديث الرئيس ترامب عندما طالب نهاية 2016 بوضع «خطة لتحديث الترسانة النووية» بهدف تعزيز وتوسيع القدرات النووية الأمريكية.

وأعاد الرئيس ترامب ذلك الطلب بعد أيام من دخوله البيت الأبيض عام 2017 عندما طلب «سياسة نووية جديدة» رغم أن الولايات المتحدة تملك حالياً 7 آلاف رأس نووية، وهدف الرئيس الأمريكي من ذلك ما أسمته وثيقة للبنتاغون نشرت عام 2018 الحد من «القناعة الخاطئة» لدى منافسي واشنطن بأن الولايات المتحدة لن تستخدم أبداً الأسلحة النووية الحالية لأنها أسلحة قائمة على التدمير الشامل، ولذلك تسعى الاستراتيجية الجديدة لواشنطن إلى إنتاج قنابل نووية تستطيع تدمير أهداف بعينها عندما تكون أصغر حجماً وأقل تدميراً.

نشر الوثيقة

وهناك من يرى أن نشر وثيقة البرلمانيين الأوروبيين حول تخزين 150 قنبلة نووية في أوروبا كان متعمداً وليس عفوياً أو خطأ بهدف جر روسيا نحو سباق تسلح يستنزف فيه الاقتصاد الروسي مما يؤدي لانهيار الاتحاد الروسي على غرار انهيار الاتحاد السوفييتي الذي تم استنزافه في حروب ونفوذ بعيداً عن أراضيه وأدى لانهياره في النهاية، لكن روسيا الآن أفضل حالاً من الاتحاد السوفييتي السابق، كما أن اندفاعاتها العسكرية وإنفاقها على التسليح أقل بكثير من الولايات المتحدة التي أنفقت 750 مليار دولار في ميزانية 2018-2019، بل وأقل من الصين التي أنفقت 227 طبقاً لميزانية 2017.

السلام النووي

وفي الوقت الذي يروج فيه البعض لنظرية «السلام النووي» القائم على ردع الخصوم وعدم إغرائهم ببدء الحرب يرى أنصار أحزاب الخضر التي حققت نتائج مذهلة في الانتخابات الأوروبية الأخيرة أن وجود القنابل النووية في أوروبا سيدفع روسيا لتسليط مزيد من الصواريخ النووية نحو العواصم الأوروبية، وهذا لن يساعد في تحقيق السلام العالمي بل سينقل الصراع إلى ساحات أخرى تشكل بيئة جاهزة لامتلاك الأسلحة النووية خاصة في المحيط الهادىء وأمريكا اللاتينية وربما الشرق الأوسط.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات