أقلية بين السماء والأرض

إحدى الوثائق الإسرائيلية؛ المنسوبة إلى مناقشات قيادات عليا في حزب الماباي عام 1959، تتحدث عن ضفيرة من التوصيات الكفيلة بالسيطرة على فلسطينيي 1948.

أبرزها: الاستمرار في سياسة التقسيم الطائفي؛ المتبعة منذ 1948، لأنها «نجحت في خلق حواجز، حتى لو كانت مصطنعة بين المجموعات السكانية العربية، ومنعت تبلور كتلة عربية موحدة، وأشغلت الزعماء المحليين بقضاياهم الطائفية عوضاً عن القضايا العامة».

جاء في وثيقة إسرائيلية أخرى تعود للعام 1965 أن الجمهور العربي لن يكون مخلصاً أبداً للدولة، ولذا «لا يجب مطالبته بالولاء الكامل لها». وأقصى ما يمكن تحصيله في هذا السياق هو«تحويل العرب إلى التسليم بقيام إسرائيل، وإلى مواطنين محافظين على القانون».

وتوصي الوثيقة؛ التي أعدت بمعرفة رؤساء أجهزة الشاباك (الأمن الداخلي) بضرورة «منع نشوء طبقة مثقفة عربية واسعة، خشية إفراز قيادة راديكالية وعدم تشجيع الطلاب العرب على الالتحاق بالجامعات. ومنع قيام تنظيمات حزبية عربية اللهم إلا إن كانت مرتبطة بالقوى الصهيونية، مخافة انتشار أطر سياسية ذات خلفية قومية.

خلال العقود اللاحقة لصدور هذه الوثائق ونحوها، تغيرت الأحوال السياسية في إسرائيل. تراجعت حظوظ حزب الماباي الذي اتخذ اسم العمل وبات أقرب إلى الوهن والتشظي، وتأطر فلسطينيو الداخل في أحزاب سياسية ذات منظومة قيادية مثقفة، لا تتنكر لأصولها التاريخية على المستويين الوطني والقومي.

وصارت فلسطين التاريخية بكاملها تحت السيطرة الصهيونية، وأعلنت الدولة عن هويتها اليهودية؛ وأبرمت اتفاقات للتسوية السلمية مع غير طرف عربي دون استثناء الحركة الوطنية الفلسطينية الأم. ومع ذلك كله ونحوه، لم تفقد الوصايا القديمة تجاه«الأقلية العربية»ألقها، ولا تقادمت بين يدي نخب الحكم والسياسة في إسرائيل.

نود القول بأن النخب الصهيونية، بشقيها في الحكم والمعارضة، تتعامل مع فلسطينيي الداخل؛ الذين تحولوا إلى«أقلية» بين عشية وضحاها، من منطلق عدد من الثوابت؛ التي لم تتأثر إلا قليلاً جداً بمرور الوقت وعبور مياه كثيرة في نهر أحوال الدولة وأحوالهم. وقد يتعين الاعتراف بالنجاح النسبي الواضح لسياسات هذه النخب.

ففي آخر انتخابات نيابية، مال مزيد العرب للتصويت للأحزاب الصهيونية أو حتى للانخراط فيها. وأظهرت الأحزاب العربية قدراً كبيراً من عدم الثقة فيما بينها وفشلت في الاندراج تحت قائمة موحدة، وأوصلت إلى المؤسسة التشريعية عدداً أقل مما يتيحه لها ظهيرها السكاني التاريخي.

ويبدو لافتاً بقوة في هذا السياق إقرار وثيقة العام 1965 بأنه « لا يوجد حل لقضية هذه الأقلية، لأنها جزء من العالم العربي ومن الأفضل تشجيعها على مغادرة البلاد، وتقطيع أوصالها السكانية والجغرافية بوسائل شتى، منها إقامة بلدات يهودية ومعسكرات للجيش ومراكز للشرطة ومقرات سلطوية يهودية في مناطقها». علينا الاعتراف بصحة هذا الاستنتاج؛ ولكن ذلك لا يعني الإقرار بوحدانية السبب المؤدي إليه، وهو كون فلسطينيو الداخل جزءاً من الأمة العربية.

تقديرنا أن بقاء مصير هذه(الأقلية ) معلق في جوف إسرائيل بلا حل نهائي، يعود أيضا وأساساً إلى طبيعة هذه الدولة، بقوامها الأيديولوجي الفكري والديني المغلق على اليهود والصهاينة. وهذا ما يوجب التمييز بين المشروع الاستيطاني الصهيوني وبين تجارب الاستعمار الاستيطاني الأخرى على مدار التاريخ المعلوم. ففي أمريكا الشمالية تمت التصفية العضوية للمجتمع الأصيل.

وفي أمريكا الجنوبية اختلط المستوطنون بأبناء المجتمعات الأصلية، ونشأ هجين يتعايش أعضاؤه وفق سوية معينة للاجتماع السياسي. وفي أفريقيا الجنوبية، انتهت سطوة المستوطنين البيض ونظام الفصل العنصري، وغلقت الأبواب على القوام السكاني للدولة وما عاد يسمح بتدفق المزيد من المهاجرين البيض.

أين هذه المعطيات مما يتفاعل في النموذج الصهيوني في إسرائيل؛ الذي مازال يستقبل المهاجرين المستوطنين اليهود، وينحدر أكثر فأكثر في هاوية الأبارتيد بين يهود الدولة وعربها، وينحو أيضاً للتمييز بين يهود ويهود ؟!. ولنتذكر انتفاضة الفلاشا ضد هذا الواقع المتنامي قبل بضعة أسابيع.

الشاهد أنه لو أوقد فلسطينيو 48 أصابعهم شمعاً، فلن تكف النخب الصهيونية أيديها أو أذاها عنهم. وهذه لعمرك معضلة غير مسبوقة.

* كاتب وأكاديمي فلسطيني

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات