الصين والخليج العربي

حظيت زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد للصين، باهتمام إقليمي ودولي. وقد أعرب الشيخ محمد عن أهمية الزيارة، والتي تأتي كاحتفاء بالذكرى الخامسة والثلاثين على العلاقات الرسمية بين البلدين. وأكد الشيخ محمد على أن العلاقة تمتد لقرون بعيدة بين العرب والصينيين، وأضاف أن هناك مشتركات كثيرة في العادات والتقاليد، تجعل من الروابط تتم بسلاسة كبيرة. ولا جرم أن الرسول الكريم حث على طلب العلم ولو في الصين. فالصين كانت موجودة في الوعي العربي منذ القدم.

ويحق للمراقب أن يتساءل عن الأهمية التي أولتها كلا الدولتين لهذه الزيارة، والعلاقة المتنامية. وكما جاء الخبر من بكين، فإن العلاقات بين البلدين علاقة استراتيجية وخاصة. وليس أدل على عمق وسعة العلاقات بين البلدين، عن حجم الوفد المرافق للشيخ محمد، وتعدد الاهتمامات، من الاقتصادية إلى السياسية والأمنية التعليمية والثقافية.

وقد أكد ذلك سعادة سفير الإمارات العربية المتحدة في الصين بقوله «قد نتمكن من ذكر النتائج الملموسة منها، كالعدد الكبير من الاتفاقيات المبرمة، ومذكرات التفاهم التي شملت مختلف قطاعات التعاون، وشتى مجالات الحياة، لا سيما تلك التي تمخضت عن المنتدى الاقتصادي الصيني ـ الإماراتي، والذي استهدف تعزيز العلاقات الثنائية في المجالات الاقتصادية والثقافية والتجارية، ونقل التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي والتعليم وحماية البيئة والأمن الغذائي، وغيرها الكثير. برأيي... كان من أهم نتائج هذه الزيارة، اتفاق النوايا الصادقة بين القيادتين، على تحقيق التنمية المستدامة بكافة تفاصيلها، وتوسعة مجالات الشراكة الاستراتيجية الشاملة، التي مثلت نقطة التقاء فكري واستراتيجي بين القيادتين، وهذا أمر مهم جداً، لأن هذه الشراكة احتوت مختلف مجالات التعاون الذي يمكن أن يتبادل بين دولتين».

وقد أسس المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، لهذه العلاقة، منذ خمسة وثلاثين عاماً. وقد كان للشيخ زايد رؤية بعيدة المدى عن موقع الصين على الساحة الدولية، وهو ما تحقق فعلاً الآن. وقد تجاوزت الصين، الولايات المتحدة في الناتج القومي الإجمالي، بمعدل القدرة الشرائية. وكما يقول أستاذ العلوم السياسية بجامعة هارفرد، غراهام اليسون: «في عام 1980، كانت الصين تمتلك 10 % للناتج المحلي الإجمالي لأمريكا بقياس القدرة الشرائية.. وكانت الصين تمتلك سدس حجم الاحتياط النقدي لأمريكا». ولكن في 2014، وصل الناتج المحلي الإجمالي للصين (بمعدل القدرة الشرائية) إلى 101 % من ناتج أمريكا. وبلغت صادراتها 106 % من إجمالي صادرات أمريكا. وتمتلك الصين 28 مرة من الاحتياطات النقدية لأمريكا.

والصين المتعطشة للطاقة كمحرك رئيس لنموها المدوي، تهتم باستقرار أسواق الطاقة. وليس هناك منطقة أهم من الخليج العربي، كمنتج للطاقة لجهة الوفرة والقرب الجغرافي للصين. وهناك يكمن دور الصين، كعامل للاستقرار في المنطقة، وخاصة مقابل الانسحاب الأمريكي من المنطقة، وتخليها عن تعزيز الاستقرار في أسواق الطاقة العالمية. وتطمح الصين للعب دور دولي مشابه للدور التي لعبته الولايات المتحدة بعيد الحرب العالمية الثانية.

والمعروف أن دول الخليج هي بوابة 60 % من صادرات الصين إلى الشرق الأوسط. كما أن الخليج العربي مصدر معظم واردات الصين من الطاقة. وكما أن «الأقطار الخليجية بالذات، حيوية لنجاح الحزام والطريق، لأنها محور مهم في المبادرة، خاصة أن القلاقل الإقليمية قد تسبب لها إعاقة». ولا شك، فإن دولة الإمارات والصين، ستحققان مصالح كبيرة من هذه العلاقة الاستراتيجية. الإمارات تسعى لتنويع مصادر اقتصادها الوطني بعيداً عن النفط. والصين ستسهم بشكل كبير لتحول الاقتصاد الإماراتي إلى اقتصاد المعرفة. كما أن الصين لا محالة ستستفيد من وضع الإمارات كقوة إقليمية مؤثرة، وستخدم الصين كبوابة للمنطقة. ودول الخليج حلقة مهمة لاستراتيجية حزام واحد طريق واحد التي تتبناها الصين.

العلاقة متجهة إلى الأعلى، لأن أسسها متينة، ولأنها علاقات ضروراتها ملحة واستراتيجية.

* كاتب وأكاديمي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات