هيبة السياسة الأمريكية

كان للسياسة الأمريكية هيبتها المختلفة مقارنة بغيرها من سياسات القوى الدولية الأخرى، بل كان للرئيس الأمريكي وضع سياسي وإعلامي بين الرؤساء الآخرين مختلف، على الأقل أن أغلب المراقبين والسياسيين يتابعون ما يصرح به ولا يمكن أن يتجاهلوه ويقومون بتحليل ما تعنيه كلماته المختصرة.

اليوم حتى الحديث عن قدرته في إدارة العلاقة مع حلفائه الأطلسيين مسألة فيها «وجهة نظر» بما فيها مع حليف الولايات المتحدة التقليدي بريطانيا، التي قال عنها يوماً ما ديك تشيني، نائب الرئيس في عهد بوش الابن، إنه الحليف الوحيد الذي يمكن الثقة فيه والرهان عليه في أي موقف تتخذه الولايات المتحدة في السياسة الدولية، فما يفعله الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب لا يهدد الحزب الجمهوري فقط، وإنما مكانة بلاده في العلاقات الدولية وهيبتها التي تختبرها إيران بين كل مرة وأخرى وفي أماكن مختلفة من العالم.

إغلاق مضيق هرمز إحداها، واستخدام العراق كأرض لمعركتها معه، وسوريا حيث ترفض الانصياع بالخروج منها.

قد يكون من الصعب استعادة دور أمريكا في السياسة الدولية كما كانت خلال فترة الثمانينات، التي كانت تستند في قوتها على العلاقة الأمريكية ـ الأوروبية خاصة مع حليفتها المملكة المتحدة، التي بنتها رؤية رئيسة الوزراء البريطانية الراحلة، مارغريت تاتشر، والتي ساهمت في تحقيق التوازن في العديد من القضايا والأزمات الدولية، ولا يمكن عودة تلك العلاقة التي كانت بين إدارتي بوش الابن وتوني بلير في تعاونهما، وأسهمت في إيجاد دعم دولي دون استثناء في حربي أفغانستان والعراق.

مع رفضنا لما تم، لكن أن يصل حالة التراخي الأمريكي في مواجهة أزمات تعتبر مهددة للاستقرار الدولي ولحلفائها، التقليديين، إلى درجة أنه ساهم - ذلك التراخي- في إيجاد مواقف شبه متباينة بين دول الحلف الأطلسي في كيفية التعامل مع إيران فالمسألة تحتاج إعادة نظر في مكانة الولايات المتحدة على المدى القصير.

هذا الكلام مبني على خلفية أسلوب إدارة الرئيس ترامب للأزمة مع إيران والكثير من المواقف في الأزمات الدولية، التي تبدو أنها غير واضحة تماماً، فمرة يعلن بعدم أهمية مضيق هرمز، ومرة يؤكد أنه يعمل على حمايتها، ومرة يهدد كوريا الشمالية وفي الوقت نفسه يفاجئ العالم بزيارة إليها.

إن ما يفعله النظام الإيراني من سلوكيات غير مفهومة في المنطقة ليس بعيداً أنها «بالونات اختبار» يريد من خلالها تحديد موقف الإدارة الأمريكية في التعامل معه، كي يحدد هو -النظام الإيراني- طريقة تعامله معها.

إن أغلب مواقف الإدارة الأمريكية الحالية تبدو كما لو أنها لا علاقة لها بالولايات المتحدة، الدولة العظمى في العالم، ولا تمثل مواقف من يرغب في إدارة العالم أو الحفاظ على مكانتها وهيبتها، خاصة في ظل حالة التنافس الذي تعيش فيه المنطقة الأهم في الاستراتيجية الدولية، فالقوى الإقليمية تتمرد (تركيا وإيران)، ولا أحد ينكر أن تردد ترامب في مواجهة إيران شجعها في الاستقواء عليها وعلى حلفائها. هذا الأمر قد يزيد الأمر الدولي والإقليمي تعقيداً وتراخياً أيضاً إذا ما استمرت يد ترامب ترتعش من تحذيرات وتجاوزات طهران.

قيل إن الرئيس ترامب ملتزم بتعهداته مع الناخب الأمريكي، وأنه لن يخوض حرباً تؤدي إلى قتل الجنود الأمريكيين، وبرغم أنه التزام مهم، لكنه عامل مساعد على التمرد الإيراني على الاستقرار الدولي، وهو الذي شجع تركيا أحد أقوى حلفاء أمريكا في المنطقة وفي حلف شمال الأطلسي «الناتو» في التجاوز عليها وشراء منظومة صواريخ روسية الصنع، وقيل أيضاً إن ترامب ليس بذلك الرجل السياسي الذي يدرك أبعاد ما يحدث في السياسة الدولية من الناحية الاقتصادية أو ما يعرف بـ «رجل الصفقات»، ولكن منطقياً فإن الاقتصاديين أكثر تنظيماً في طريقة تفكيرهم وبناء قراراتهم على ملامح سياسة إدارة ترامب في العالم.

تقييمنا لعهد ترامب حتى الآن أنه يكشف في كل مرة مدى ضعف إدارته، وأنها تعاني ارتباكاً في السياسة الخارجية التي هي محل اهتمام باقي دول العالم، والمشكلة أن هذا يحمل باقي دول العالم تكلفته وضرره.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات