أزمة الملاحة في الخليج العربي

تتعرض ناقلات نفط مبحرة في مياه الخليج العربي عند مرورها في مضيق هرمز أو وجودها بالقرب منه لمخاطر أمنية متنوعة، تتراوح بين الاستفزاز والتخريب والخطف والإستيلاء بالقوة من قبل قوات الحرس الثوري الإيراني، التي تجوب مياه المضيق وجواره بقواربها السريعة المسلحة في رسائل تحد، إذ سبق لقياداتها السياسية أن أعلنت بأن القيود لن تكون فقط على تصدير النفط الإيراني.

في سياق استمرار هذه الأحداث المقلقة على مدى الأشهر المنصرمة وتصاعد خطورتها على مصالح الدول الخليجية المصدرة للنفط والدول الأوروبية والآسيوية المستوردة له على حد سواء، تبدي عدد من دول أوروبا اهتماماً بمبادرة صدرت عن بريطانيا، على خلفية قرصنة إحدى ناقلات النفط التي تحمل علمها من قبل الحرس الثوري الإيراني عند مرورها بمضيق هرمز، مبادرة تقضي بتشكيل قوة بحرية أوروبية تحظى بدعم رقابي جوي يعزز من مهمتها في تأمين الملاحة في المضيق.

هذه المبادرة ذات طابع أمني محض وليس لها أي غطاء سياسي، فهي لا تتظلل بالولايات المتحدة ولا بحلف الناتو ولا بالاتحاد الأوروبي.

وقد حظيت بتأييد مبدئي من قبل فرنسا وإيطاليا والدنمارك، لتصبح بذلك مبادرة أوروبية تجنب منطقة الشرق الأوسط المزيد من التوتر، إذ تتولى مهمة تأمين سلامة الملاحة في الخليج العربي وممراته تخفيفاً للاحتكاك مع إيران الأقل حساسية إزاء أوروبا وسياسات دولها، على خلاف ما هو عليه الحال مع الولايات المتحدة.

إيران أعلنت منذ اللحظة الأولى رفضها لهذه المبادرة ومعارضتها للوجود العسكري الأمريكي والأوروبي في مياه الخليج، مشددة على أن أمنه وأمن ممراته من مهام الدول المطلة عليه.

الاهتمام بهذه المبادرة لم يأت من فراغ، فهناك إصرار دولي على رفض تقديم أية تنازلات بشأن حرية الملاحة في مضيق هرمز الذي يمر عبره ما يقرب من خُمس ما يحتاجه العالم من النفط، فهذا المضيق ممر مائي يُعتبر وفق المادة 38 من اتفاقية قانون البحار العالمي لعام 1982 جزءاً من أعالي البحار يحق لكل السفن، تجارية أو حربية، المرور فيه ما دام ذلك لا يضر بسلامة الدول الساحلية أو يمس نظامها أو أمنها.

الولايات المتحدة لا تنظر بعين الرضا إلى أهداف المبادرة الأوروبية التي تتجاهلها على الرغم من أنها رحبت بها، فقد عبرت بشكل غير مباشر عن عدم ارتياحها، حين صرح الجنرال جوزيف واتفورد رئيس هيئة الأركان الأمريكية أن بلاده تعتبر هذه المبادرة «مكملاً لجهودها وليس عملية قائمة بذاتها».

فقد سبق للولايات المتحدة أن اقترحت في يونيو المنصرم تأمين الملاحة في الخليج بجهود دول متعددة الجنسيات، حيث طلبت من الدول المستوردة لنفط الخليج المساهمة في حماية الناقلات التي تحمل هذا النفط إليها.

هناك عقبات تعترض طريق هذه المبادرة على الرغم من أن بريطانيا بدأت من جانبها بتوفير الحماية المسلحة لناقلاتها، أبرز العقبات هي صعوبة تجاهل دور الولايات المتحدة في تأمين الملاحة في الخليج، مع حضورها العسكري الكثيف في مياهه، حيث يوجد الأسطول الأمريكي الخامس والصعوبة في الوقت نفسه في التنسيق معها في مقاربة أزمة التعامل مع إيران، حيث لأوروبا مدخل مختلف عن المدخل الأمريكي، فقيادات المبادرة الأوروبية لا تتمكن من تجاوز الثوابت في سياسات دولها التي عارضت الخيار الأمريكي في الخروج من الاتفاقية النووية مع إيران، التي فجرت هذه الأزمة.

فقد أعلنت ألمانيا صراحة بأنها لن تشترك في استراتيجية ممارسة أقصى الضغوط على إيران التي تمارسها الولايات المتحدة، هذا في الوقت الذي زادت احتمالات تقارب مواقف بريطانيا مع المواقف الأمريكية، مع مجيء بوريس جونسون لرئاسة الوزارة البريطانية.

لا شك أن الملاحة في مضيق هرمز ستؤمن، آجلاً أو عاجلاً، إلا أن ذلك قد لا يتم من غير حدوث بعض الصدامات المسلحة، فاحتمالات ذلك واردة في أجواء التشنجات السائدة، كما أن تأريخ الصراعات في مياه الخليج العربي في أزمان مختلفة لا يخلو من ذلك.

فخلال سنوات الحرب العراقية الإيرانية الثماني وبالتحديد في أبريل 1988 قامت القوات الأمريكية البحرية والجوية بتدمير منشآت بحرية واستخبارية إيرانية وإغراق أربعة زوارق مسلحة وتدمير فرقاطتين إيرانيتين، رداً على تعرض إحدى فرقاطات صواريخها لمحاولة إغراق بألغام بحرية إيرانية.

 

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات