صفعة القرن

قام صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة بزيارتين مهمتين خلال الأسبوع الماضي زار خلالهما الصين وإندونيسيا، وقد تم توقيع الكثير من الاتفاقيات والصفقات التجارية من بينها صفقات للاستثمار في مطار بكين، والاستثمار لإنشاء ميناء جديد في إندونيسيا، ولم نسمع أو نقرأ أي خبر في صحافة كلتا الدولتين مفاده أن الإمارات تستغل مقدرات الشعب الصيني أو الإندونيسي أو أن الإمارات تحاول السيطرة على موانئ العالم، وذلك لأن العقلية التجارية الحديثة تتقبل دخول شريك أو شركاء خارجيين يساهمون في بناء المشاريع وإنجاحها، بعكس عقلية بعض العرب والتي دائماً ما تنظر إلى مثل هذه الاستثمارات بأنها طمع أو استغلال أو حتى محاولة للسيطرة من طرف على طرف آخر.

الاقتصاد العالمي بات أكثر انفتاحاً، فقد تجد شركة روسية تستثمر في مناجم الذهب في أفريقيا، وقد تجد شركة أمريكية تدير مشاريع في الشرق الأوسط، وأيضاً قد تجد شركة أو مؤسسة إماراتية تدير وتشغل أكثر من 65 ميناء حول العالم، ومثل هذه الأمور باتت من الأمور العادية في عالم الاقتصاد الحديث، فالانفتاح الذي نشهده في هذا العالم انعكس أيضاً على التبادلات التجارية وغيّر من مفاهيمها.

للأسف يتصور البعض أن حق الإدارة والتشغيل يجب أن يكون بأيدي شركات محلية، ولكن التجربة العملية تفيد بأن هذا الأمر بات غير مقبول لدى المجتمعات التي تنشد النجاح، فقد تتفوق شركات خارجية على الشركات المحلية في إدارة وتشغيل مشروع ما، بل من الممكن أن تكون الشركات الخارجية لديها الخبرات والأموال التي تستطيع من خلالها تحسين قطاعات كثيرة تعود على البلاد بالفائدة بأكثر مما كانت ستؤول إليه الأمور لو استلمتها شركات محلية وهذا مفهوم السوق المفتوح؛ الجميع يستطيع تقديم اقتراحه ومقترحه وعرضه وللحكومات حرية اختيار الأنسب لها والأفضل من حيث الجودة والمعايير والسعر التنافسي والعوائد المتوقعة، ولا ينظر أبداً إلى هذه الحالة على أنها سيطرة جهة على جهة، ولا ينظر على أنها صفقة قرن كما نحب نحن أن نسميها أو نعتبرها.

مليارات المشاريع حول العالم تدار من خلال التبادل الدولي، وينظر إلى هذا الأمر على أنه العالم الجديد للتجارة. والتجارة في وقتنا الحالي تتطلب تقديم المزيد من التسهيلات لأصحاب الخبرات وأصحاب رؤوس الأمور للاستثمار في مقدرات البلدان وتشغيلها بالشكل الصحيح، ولنا في تجارب العالم الكثير من القصص التي حولت أرض جرداء إلى مركزاً للتجارة والصناعة والفرص الاستثمارية، ولعل هذا الانفتاح لم يصل لبعض العقول والحكومات فانغلقوا على أنفسهم ولم يسهلوا من تدابير الاستثمار على أراضيهم فتأخروا عن ركب التجارة العالمي.

دائماً ما نقول إن العالم أصبح قرية صغيرة بعد أن دخلت الاتصالات جميع مناحي الحياة وأصبح التواصل مع الآخرين أكثر سهولة ويسر، ولكن غفلنا عن أن القرية الصغيرة هذه تتطلب أن نذلل ونكسر لها الحواجز التي تفصلنا عن الآخرين، وأنها أيضاً أصبحت لا تعترف لا بحدود جغرافية ولا بتقسيمات مذهبية ولا دينية ولا عرقية ولا بأي نوع من أنواع العصبية خصوصاً بالتبادلات التجارية، إنما اليوم بات الباب مفتوحاً على مصراعيه لمن يريد الاستثمار في مستقبله ومستقبل شعبه تاركاً عنه هذه التقسيمات التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

قد يعترض كثيرون على كلامي وقد يقول البعض أولاد البلد أولى بخيرات بلدانهم، وهذا صحيح لكن إن كانوا غير قادرين على ابتكار ما هو جديد في عالمهم ولم يستطيعوا استغلال هذه المقدرات بالشكل الصحيح فلماذا مازلوا يرفضون من يأتي ليستثمر لهم في مالهم ويشاركهم النجاح، ويفتح لهم فرصاً جديدة لم يكونوا يتوقعونها، وربما يكتشفون أنهم قادرون على بناء النجاح لكن يريدون من يدفعهم بدلاً من ترك مقدرات بلدانهم للضياع والخراب، هذا الدرس الذي وصل للكثير من دول العالم وفتحوا أسوارهم واستقبلوا الاستثمارات والمستثمرين بأحضانهم وعلى من تأخر أن يلحق بالركب فأن تصل متأخراً خير من أن لا تصل، ومن لا يفهم الدرس ستناله صفعة القرن، فهذا القرن للمنفتحين ولا مكان للمنغلقين أبداً.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات